من الصعب أن تجد في هذا الزمن اللاهث وجها صادقا يعود بك إلى تلقائية الوجوه التي تتساقط من حولك إلا فيما ندر . وأجدني اليوم أرصد وجها مشعا بالطيبة والتلقائية والتواصل والتفرد إلى حد بعيد... وجها لم تعكره مساحيق الحياة العصرية أو تغير من ملامحه لتجعله قناعا عصريا.. ولأن أكثرنا في زمن المصلحة لا يكتب إلا عن أصحاب النفوذ والسلطة والشهرة, ليحظى بقربهم ويستند بظلهم ويتواصل بحسهم حتى ولو كان كل ما يكتبه عن غير قناعة ورضا, وجدت أن أرصد هذا الوجه المغمور المعتمد على عفويته وتلقائيته وفنه واحساسه المتنامي. ربما يجهل الكثيرون اسم هذا الوجه الذي أحاول أن أقربه لكم, وأعتني بتفاصيله الصغيرة.. رغم انه أحد الفنانين التشكيليين الذين أنجزوا مشروعهم الفني بجد واخلاص وتفان, ويعود عدم لمعان اسمه لطبيعته التي تحتم عليه البعد عن بؤرة الضوء, وعدم الاعتناء بالبروز الاعلامي. ولأن السفر مثلما قالوا قديما يقود إلى الأسرار الضائعة وجدت نفسي أتعرف على ملامح هذا الوجه من خلال السفر.. والأحلام المثيرة كما قالوا أيضا مفتاحها البحث.. ومن هذا المنطلق بحثت عما تحمله الوجوه في رحلة امتدت أياما وأياما, وكان صاحبنا الفنان التشكيلي محمد عبدالله أحد تلك الوجوه, إلا أن ما يميزه هو ما تحمله روح الفنان من شعور دافئ نحو الجمال. بدأت الرحلة من مطار دبي وانتهت في عاصمة كوريا الشمالية بيونج يانج حيث ملتقى الشباب العالمي, وفي كل مرة على امتداد هذه الرحلة يطل هذا الوجه التلقائي الذي يحمل في داخله أطنانا من الطيبة التي لا تحدها اتجاهات هذه الأرض المتواصلة من أقصاها إلى أقصاها. في كل مرة كما قلت سابقا ينسل هذا الوجه الخرافي ليأتي من زمن غابر, ندركه في الأوراق القديمة والحكايات العتيقة لكننا لا نلمسه أو نراه... إنه الزمن الجميل الذي يذكرنا بأخلاق الفرسان. امتدت الحكاية وتواصلت اللعبة وتنافس المتنافسون في ملتقاهم العالمي.. أكثر من مائة دولة تتواصل بفنونها ورياضاتها وحضاراتها ومن بينها يبزغ اسم الامارات التي حصدت ميدالية ذهبية من خلال مشاركة لوحة مثيرة تحمل اسم الدفء للفنان المثير دائما محمد عبدالله. قبل مشاركة اللوحة كانت الابتسامة والضحكة تأخذ حيزا من هواء سكن وفد الامارات المشارك في هذه التظاهرة لأول مرة في تاريخ هذا الملتقى الشبابي العالمي. كان العمل عبارة عن ثلاث (سلنسرات سيارة) استطاع هذا الفنان التلقائي المثير أن يكون منها لوحة ناطقة.. فقد كانت السلنسرات متباينة الأحجام, حجم كبير وصغير ومتوسط, قام بتجميعها بشكل فني ناطق ولحامها ملتصقة لتمثل تكوينا أسريا نادر الحدوث. وقد تحولت كل القفشات وحكايات التندر من هذه اللوحة والتي كان يطلقها باقي أفراد الوفد إلى اعجاب متواصل, بعد أن استوقف هذا العمل كبار النقاد وجعل لجنة التحكيم تقف أمامه منجذبة لتعلن فوز الامارات وفنانها التشكيلي محمد عبدالله بالمركز الأول والميدالية الذهبية.. تلك الميدالية التي عجزت دول عريقة ذات مشاركات عديدة في احرازها. الوقفة الثانية لهذا الوجه كانت في الدار البيضاء حيث جمعتنا الصدفة للمرة الثانية في مشوار السفر, وكان صاحبنا برفقة وجه مشرق من وجوه تمثيل الامارات في الملتقيات الدولية.. هذا الوجه هو الفنان التشكيلي المبدع عبدالرحيم سالم الذي استطاع أن يدلل بتواجده وحضوره وما يحمله من ملكات ابداعية رائعة على ما وصل إليه الفن التشكيلي في الامارات. عموما كانت المحطة الثانية للفنان التشكيلي محمد عبدالله ممهورة بشهادة أخرى من شهادات التقدير والاعجاب لفنه, فقد كانت الدار البيضاء تلك العروس التي تسكن حدود البحر حاضرة في المكان... وكان اللقاء بمتذوقي الثقافة والفن من أفراد الشعب المغربي متواصلا ومثيرا, حيث يرتسم السؤال حول التفاصيل الدقيقة للتشكيل ما ينم عن دراية وادراك بمكنونات الفن, ومن حدود الأسئلة المتواصلة تخرج تلك العلاقة الحميمة بين الفنان ولوحته والفنان وجمهوره. وتأبى الصدفة الجميلة أن تترك هذا الوجه المتدفق بالفن والعطاء هكذا دون لقاء بارز مع أحد النقاد, ويأتي اللقاء عابرا لكنه مثير وعاصف. يأتي اللقاء هذه المرة بالشاعر الكبير محمد الفيتوري هكذا دون ميعاد, فقد توجهنا من الدار البيضاء قاصدين الرباط بشكل استطلاعي, وفي أحد المقاهي العامرة بالأدباء والشعراء التقينا صدفة بالشاعر الفيتوري, فكان التعارف ومن ثم دعانا على فنجان قهوة حيث امتدت الجلسة فحفلت بكل ما يتعلق بالشعر والشعراء والفن والفنانين, وعندما فتح شاعرنا الكبير السؤال عن المدرسة الفنية التي ينتهجها الفنان وقف صاحبنا حائرا, فهو بعيد كل البعد عما يفذلكه النقاد.. وما كان منه إلا أن وقف معتذرا بأدب جم ووجهه يقطر دما... ونزل من درج المقهى الكبير المطل على الشارع الرئيسي لمبنى البرلمان المغربي وأخذ يسحب نفسا طويلا من السيجارة التي ألقمها فمه. قال الشاعر الفيتوري موجها كلامه إليّ: انه قلق الفنان.. أجبته: صدقت.. والأكثر من ذلك انه فنان تلقائي, لا يعرف أن يجمل وجه نقاده كما يفعل الآخرون. قال الفيتوري: عليّ ان أزوركم في الدار البيضاء غدا لأرى بنفسي لوحات هذا الفنان المثير. وفي اليوم الثاني زار هذا الشاعر الكبير معرض الامارات المقام في أرض المعارض بكازابلانكا ونثر اعجابه في أنحاء المكان ورسم صورة واضحة وصادقة عن ثقافة الامارات وأدبها ومهر بزيارته شهادة لقاء بهذا الفنان, الصادق في مشاعره, التلقائي في فنه, ذاك الوجه الذي يذكرنا بالوجوه الطيبة وهي تتساقط يمنة ويسرة في زمن لاهث لا يعرف للطيبين مكانا.