راشد بن فاضل, عالم جليل يعرفونه في دبي, فله هنا أهل وذكريات, ويعرفونه في الذيد, هناك شهرته توازي شهرة حصون الواحة, ومكانته عند اهلها عالية تطاول هامات نخيل الذيد. يقفون له اذا اقبل ويسكنهم الصمت اذا تحدث , فهو الشيخ الذي يصلي بهم, ويخطب فيهم الجمع, ويملك على زيجاتهم, ويفتي لهم في شؤون دينهم ويعلم اولادهم القرآن. بن فاضل في الذيد اول امام يقف على منبر مسجد الطين الوحيد في المنطقة, وأول من حول المسجد الى مركز لتحفيظ القرآن في هذه الواحة. ويتذكر ابناء الواحة, اليوم الذي جاءت فيه اول بعثة تعليمية الى هذه المنطقة الوسطى, عندما فوجئت ببساطة الواحة وكيف ان فيها رجلا بهذا القدر من التفقه والعلم, كان ذلك قبل عشرات السنين. الواحة الصغيرة تحولت الى منطقة عصرية, ومسجد الطين تبدل الى جامع ضخم, والمدرسة الابتدائية المشتركة الوحيدة تضخمت وتوزعت الى عشرات المدارس المتخصصة, والطلاب الصغار كبروا. وراشد بن فاضل كبر في السن ايضا, واقعده المرض عن كل شيء, إلا الصلاة في المسجد, بالغلس وفي الظهيرة, قبل ان يبزغ الفجر, مع اول كلمات الآذان تشاهد رجلا مسنا يجره عكازه الى المسجد, وعند اخطر تقاطع قرب الجامع, يخطو العكاز بصاحبه وعيون الناس التي تلمحه عن قرب ومن بعيد تدعو الله ان يحفظ بن فاضل من سرعة السيارات ومن عثرات الطريق. عمر في الارض لهدف اوحد هو عبادة الله, لم ينشغل بتجارة او زراعة, لم يورث مالا, عاش يصلي ومات يصلي, وبقيت روحه تسكن الواحة. ثاني بن عبود, صالح آخر رحل, تاركا الحسرة وصدمة موته في قلوب من عرفهم وعرفوه. حفظت اسمه منذ زمن, فهو علم في عالم الشعر, لكنني لم اشاهد ملامح وجهه من قبل, كان من جيل عمالقة الحب والغناء, الجمري وبن سوقات وصوت بو الروغة, وتصورته كذلك يتساوى معهم في العمر. استغربت عندما عرفت في يوم موته انه اصغر بكثير من الصورة التي رسمتها له في خيالي طوال السنوات الماضية. صدمة موته انها جاءت في يوم مبارك لكنه حزين, ففي مثل هذا اليوم من الاسبوع الماضي, وقف ثاني بن عبود وعائلته وجيرانه ومعارفه من (الراشدية) و(جميرا) في المقبرة يودعون سيدة عزيزة عليهم هي اخت ثاني, خال المتوفية بعد ان نثروا عليها تراب القبر, تمتم بسؤال ينم عن حزن قلبه على الفقيدة, قال: من يا ترى سيجاور قبرك؟! ثاني الذي كان يسمع كلمات خاله, كان هو من جاوب على التساؤل الحائر, هو من سكن قرب اخته! وبسرعة لم يصدقها عقل. عادوا جميعا لتقبل العزاء, ثاني كان اولهم, وعندما حل الليل, قام كعادته ليصلي العشاء, ادى الفريضة, وكعادته ايضا بعد الصلاة فتح المصحف, يرتل بعض آياته. وبدون ان يشعر به احد الا ابنه الصغير الذي كان يجلس بقربه, سكت قلبه وهو جالس في حضرة القرآن, وآخر كلمات تدخل جوفه كلمات الله. حملوه وعادوا به للمقبرة, يا للقدر, هذه المرة ليسكنها ويجاور فيها اخته. رحم الله راشد بن فاضل وثاني بن عبود. وهذا حال الدنيا, يرحل منها الطيب... بسرعة.