بعد الغداء تمشيت في الأزقة التي تقود إلى فندق (برونليسكي) ومررت ببيت (دانتي) شاعر ايطاليا الأكبر وابن فلورنسا الأشهر وصاحب كتاب (الكوميديا الإلهية) أعظم أثر أدبي في اللغة الايطالية. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعد دراسات وتخمينات وفرضيات عديدة استقر رأي قادة بلدية فلورنسا على اختيار هذا الموقع التقريبي لمكان البيت الذي ولد فيه (دانتي) عام 1265 وضمت البلدية الى البيت الصغير والمتهالك الذي وجدته هنالك عدة بيوت صغيرة لتقيم هذا المزار تخليدا لذكرى شاعرها الكبير. وفي عام 1960 حول قسم من هذا البناء الى متحف يضم عدة تذكارات للشاعر الفلورنسي المعروف. والحقيقة ان ما حدث لهذا الشاعر الفذ لا يختلف عن الذي يحدث للعديد من الادباء الذين تضطهدهم بلادهم اثناء حياتهم وتحرق لهم بخور التبجيل والاحترام بعد وفاتهم. اثناء الصراع التاريخي بين حزب الغولفيين انصار البابا والجبليين انصار الامبراطور في القرن الثالث عشر والرابع عشر والذي تمحور حول قضايا دينية وسياسية وطبقية انحاز (دانتي) الى حزب الجبليين الارستقراطي انصار الامبراطور ضد حزب الغولفيين التجار وأنصار البابا وقد أدى ذلك الى ذهابه الى المنفى مغادرا مدينته الحبيبة بعد ان حكم عليه بالاعدام من قبل انصار الحزب المضاد المنتصر عام 1302, وكان ذلك العام هو العام الذي بدأ فيه كتابة رائعته الادبية (الكوميديا الإلهية) والتي قسمها الى اقسام ثلاثة (المطهر ــ الجحيم ــ الفردوس) فجعل أكثر أهل الجحيم من اعدائه في حزب الغولفيين الفلورنسيين!! ينقسم بيت أو متحف (دانتي) الى عدة حجر, في الحجرة الاولى توجد صور ووثائق لفلورنسا ومعالمها الشهيرة من أسوار وبنايات وكنائس في ايام دانتي. وفي الحجرة الثانية توجد صور لبعض تذكارات لعائلة اليجييري التي ينتسب اليها الشاعر. وفي الحجرة الثالثة توجد صور وتذكارات لأحوال المجتمع الفلورنسي في تلك المرحلة. وفي الحجرة الرابعة تركز التذكارات والوثائق على حياة الشاعر في المنفى من عام 1301 الى عام 1311. في الحجر الثلاث الباقية توجد صور لوثائق تتابع حياته في المنفى من عام 1311 الى وفاته عام 1321 وإلى جانبها نسخ لصور متعددة له انجزها العديد من الفنانين عبر العصور, وهنالك ايضا نسخ عديدة اصلية ومصورة للطبعات المتعددة لعمله الادبي الخالد (الكوميديا الإلهية) . بيت (دانتي) متحف صغير ولطيف ولكنه عادي لان الكثير من الصور والوثائق الموجودة فيه ما هي إلا نسخ للصور والوثائق الأصلية الموجودة في أماكن أخرى. في وقت الأصيل تمشيت في شارع (فيادي تورنابوني) هذا الشارع يزدحم بمحلات الموضة والمجوهرات الراقية والباهظة الثمن التي تنافس فيه مدينة فلورنسا غريمتها مدينة ميلانو, فهذا محل (غوشي) وذلك محل (أوغوليني) وهنا محل (تيفني) وهنالك محل (بيجوكاشيو) .. إلخ الأزياء الجميلة تدير الرؤوس والمجوهرات البراقة تخلب الأبصار, والأسعار العالية التي تفرغ الجيوب أو الحسابات المصرفية مررت بمحل (سلفاتوري فيراغامو) صانع الأحذية الذي انحدر من أصول فلاحية فقيرة والذي بدأ بصنع الأحذية لعامة الناس ثم ارتقى فأصبح يصنع الأحذية لنجوم هوليوود وطارت شهرته بعد ذلك فأقبل عليه أثرياء العالم وأصبحت الأحذية الرجالية والنسائية التي يصممها من أغلى الأحذية في العالم!. وتوسع بعد ذلك فأصبحت ماركة (سلفاتوري فيراغامو) تبيع الشنط والملابس وأربطة العنق والمناديل النسائية.. إلخ.. ويدير ابنه حاليا امبراطورية تجارية تبلغ مبيعاتها السنوية ما يقارب البليوني درهم! وتقدر ثروته الشخصية بثلاثمائة وستين مليون درهم!. ومن غرائب قصص الصعود والسقوط في المجتمعات الانسانية ما قام به ابن صانع الأحذية (سلفاتوري فيراغامو) عندما اشترى مؤخرا قصر (البورو) الذي يعتبر من أجمل وأفخر قصور الريف التوسكاني, وقد اشتراه من عائلة (سافوي) وهي العائلة المالكة السابقة في ايطاليا!.. وقد باع دوق (أوستال) سليل عائلة (سافوي) قصر (البورو) بمبلغ 19 مليون درهم وذلك بسبب حاجته للنقود ولعدم قدرته المالية على صيانة ذلك القصر والمزارع المحيطة به!! وقد قامت أسرة صانع الأحذية بعد أن اشترت ذلك القصر التاريخي الذي بني في القرن التاسع عشر باستثمار مبلغ طائل بلغ 36 مليون درهم لترميمه واصلاح أوضاع المزارع التابعة له, ويفكرون باستغلال الاسم التاريخي الشهير لذلك القصر ليؤسسوا ملعبا للجولف ويبنوا فندقا فاخرا وإعادة الحياة لمزارعه بزراعتهم لخمسة آلاف شجرة زيتون وخمسة عشر ألف شجرة عنب!. في شارع الموضة الشهير توجد مكتبة تاريخية اسمها (سيبر) وقد أسست عام ,1865 دخلتها, أجواء الكتب أحب إلى قلبي من أجواء الموضات والأزياء والمجوهرات, أخذت اتصفح كتب الفن, ومرت ساعة وأنا أتنقل من كتاب عن أعمال الفنان (رفائيل) إلى كتاب عن أعمال الفنان (كارافاجيو) ومن كتاب عن فن النحت إلى كتاب عن فن العمارة. احببت ان اشتري بعض الكتب الفنية ولكنها ثقيلة الوزن وافضل ان اشتريها بالطلب البريدي من مكتبة (المجرودي) في دبي. صعدت الى الطابق الاول حيث يوجد القسم الانجليزي, اشتريت كتابا عن عائلة (مديتشي) وكتيبا عن (الامومة) من اصدار دار (بنجوين) . قبل النوم قرأت اقوالا لعديد من الكتاب عن تلك الغالية والحبيبة: (قلب الام هو مدرسة الطفل, الطفل الوليد يعيش على حليب الام وقبلاتها, هنالك طفل جميل واحد في هذا العالم وكل ام عندها هذا الطفل, الطفل يبقى دائما ابن امه, ان ذلك الذي يمسح انف الطفل يقبل خد الام. امهات الجنس البشري هن اهم ممثلات في الدراما العظيمة للتقدم الانساني, الشباب يبهت والغرام ينقضي واوراق الصداقة تتساقط ولكن حب وأمل الأم يبقى بعد مرور كل تلك الامور, لا يوجد في هذا العالم وردة او لؤلؤة اجمل او احلى من طفل في حضن امه..) .