الحمد لله انتهى مولد المونديال الكروي بدون كوارث تذكر. وعادت ربات البيوت يشكين من هروب أزواجهن من المنازل أغلب أوقات النهار والليل, بعد ان كن على مدى شهر المونديال يشكين من طول بقائهم بالبيوت مربوطين أمام شاشات التلفزيون . نقول الحمد لله سواء كان الفائزون بالكأس أبناء السين أم أبناء الأمازون. المهم أنهم ليسوا عربا حتى يحق لنا ان نفرح. وليسوا أمريكيين حتى يحق لنا أن ننغلق... فنحن قد حرمنا حتى من نعمة التمثيل المشرف, والفرق العربية الثلاثة التي ذهبت إلى فرنسا تحرسها دعوات 300 مليون عربي عادت مثلما راحت تجرجر أذيال الخيبة في أول جولة. وحتى بعدما تعلقت الآمال الوردية بفريق نيجيريا, على طريقة تباهي البنت القرعة بشعر بنت خالتها, خيب أبناء خالتنا كل ظنوننا حينما اكتفوا باللهث في أول مباريات الجولة الثانية, وحملوا حقائبهم بالهدايا الباريسية, كما حملوا قلوبهم وقلوبنا بالوكسة وخيبة الأمل, وقفلوا إلى بلادهم السوداء قانعين من الغنيمة بالاياب. ومع ذلك فقد كانت هناك لحظات نعمنا فيها بلمسة رضا مع علمنا ويقيننا بأن المولد ليس مولدنا, ولا حلاوة لنا فيه ولا حمص. ومن منا لم يحس بنبضة فرح عندما مسح الفريق الايراني الأرض بفريق الولايات المتحدة, القطب الواحد الأحد, وراعي اسرائيل الأكبر, وأقوى وأعتى دولة في العالم؟ ومن منا لم يصفق للفريق الكرواتي وهو يسحق الألمان بالثلاثة... ولعلنا نسينا للحظة ان الكروات ساهموا حينا في التنكيل بأشقائنا المسلمين في البوسنة قبل ان يتحالفوا معهم ضد الصربيين. ولم نذكر إلا انهم الشعب الذي أنجب جوزيف بروز تيتو... الذي عاش ومات صديقا للعرب ونصيرا لقضية فلسطين. وهكذا تتداخل السياسة في الرياضة, مثلما تتداخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا, ولا يغني المرء شيء اذا اقسم عن يقين ــ وهو صادق تماما مع نفسه ــ انه لا شأن له بالسياسة, وأنه طيلة حياته يمشي محني الرأس جنب الحائط لا يهمه الا عمله وبيته وأولاده, فالمشكلة ان السياسة هي التي لها شأن به وبكل تفاصيل ومجمل حياته وأنها تمسك بتلابيبه لا تتركه ابدا حتى وهو منكمش على نفسه امام التلفزيون يشهد مباريات المونديال. أذكر, حينما هزمت بريطانيا وخرجت من المونديال ان صديقا لي كان يشهد المباراة بصحبتي اخذ يقفز كالمجنون فرحا وكأنما قواتنا حررت القدس... فلما أبديت دهشتي لتطرفه في التعبير عن فرحته قال: هل نسيت ان هؤلاء الانجليز استعمروا بلادنا وكتموا على انفاسنا طوال مائة عام او تزيد. فاحترمت وجهة نظره لانها فعلا تستحق الاحترام ومع ذلك فقد رحت اقول لنفسي محاذرا ان يسمعني احد لو اننا كلنا تركنا العنان لمشاعرنا لتعبر عن نفسها بصدق وعفوية مثلما فعل صديقي لكان حالنا غير هذه الحال, ولكن لعنة الله على الحرص الذي اذل اعناق الرجال. الانجليز هم الذين ابتكروا لعبة كرة القدم ومنهم انتقلت اللعبة الى اوروبا, ثم المستعمرات وقيل والله اعلم ان اللوردات الانجليز المشغولين عادة برياضات الصيد والقنص ذات التكاليف العالية هم الذين شجعوا رعاياهم على ممارسة هذه الرياضة غير المكلفة ليشغلوهم بها عن النظر في الفوارق الطبقية بينهم وبين سادتهم من ناحية ولتتيح لهم فرصة المراهنة على الفائز من ناحية اخرى. ولما تبينت لهم فوائدها العظيمة في شغل الناس نقلوها الى المستعمرات حتى ينشغل بها اهلها عن المطالبة بالحرية والاستقلال. والذي لا نزاع فيه ان فكرة شغل الناس بكرة القدم واردة وبشكل قوي جدا لدى معظم نظم الحكم في العالم والعكس صحيح ويذكر ان جمال عبدالناصر عمل بهذا العكس الصحيح عندما أمر بوقف مباريات دوري كرة القدم في اعقاب العدوان الثلاثي عام 1956 قائلا انه لا ينبغي ان يشغل الجماهير اي شيء عن صد العدوان. والانجليز ايضا هم الذين وضعوا قواعدها السارية حتى الان وكانت المباراة في البداية تجري دون التقيد بعدد معين من اللاعبين اللهم الا المساواة بين الفريقين حتى انتهوا اخيرا الى تحديد العدد بأحد عشر لاعبا لكل فريق. وكان المرمى في البداية عبارة عن حجرين تفصل بينهما مسافة يتفق عليها الفريقان ثم استبدل الحجران بقائمين منتصبين ثم تحدد ارتفاعهما بعارضة خشبية واخيرا توصلا الى الشبكة التي اصبحت تهز مع اهتزازها بالكرة قلوب المشاهدين. غير ان كرة القدم في بريطانيا تختلف عنها في اي بلد اخر من حيث طبيعة الجمهور والنظر الى الفوز والهزيمة فالمسألة هناك لا علاقة لها بالرياضة وانما هي اولا واخيرا رهانات ومكسب وخسارة ولعل هذا هو السبب في اقتران كرة القدم البريطانية وجمهورها بالتعصب المجنون الذي يتسم بالعنف والسكر, والاعتداء على الآخرين لمجرد انهم اخرون. تقول الاحصاءات ان مباريات مونديال فرنسا شهدها 130 ألف مليون مشاهد على شاشات التلفزيون. ومعنى ذلك ان كل مباراة كانت تحشد في مشارق الارض ومغاربها اكثر من الف مليون شخص يجمعهم جميعا مشهد واحد في لحظة واحدة, بصرف النظر عن الجنس واللون واللغة والعقيدة. ومع ان الاغلبية الساحقة لهؤلاء الالف مليون يشاهدون المباريات وهم جالسون بالثياب المنزلية على ارائكهم المريحة بالمنازل.. الا ان واقعة الالتقاء الأثيري بين كل هذا الجمع الغفير جدا من البشر مسألة لابد وان تلهب خيال خبراء الاعلام والدعاية والاعلان. وانا لست خبيرا ولذلك فلن يلتهب خيالي وانا فقط اتساءل ماذا يمكن ان يحدث اذا امكن الاستفادة من هذا التجمع الملياري الأثيري حتى يتجه كالطوربيد نحو عمل من اعمال الخير او الشر؟ ويبدو ان بعض المنتجين قد انتبهوا بالفعل الى هذه الظاهرة واحتمالاتها فدفعوا ملايين الدولارات من اجل ان يعلن عن منتجاتهم باعتبارهم (الراعي الرسمي للبطولة الدولية) فلنرفع اكفنا ابتهالا الى الله ان يقتصر اهتمام المعلنين في المونديال على المنتجات الاستهلاكية, والا يتعدى ذلك الى النظريات الايديولوجية حتى لا تكون خسارتنا مضاعفة فلا نخرج من المونديال فقط بدون حمص او حلاوة, وانما ايضا باصابات ثقيلة في افكارنا وعقائدنا.