رأيته لأول مرة في رابطة الادب الحديث ذلك المنتدى المخضرم الذي مازال محافظا حتى الآن على كيانه واهدافه بوصفه محفلا يهوى اليه ناشئة الكاتبين والمبدعين من ادباء ومتأدبين في قلب القاهرة قريبا ــ كما قد اذكر ـ من مبنى البنك الاهلي وقصر عابدين ومقر جريدة الاهرام القديمة كنت في ختام مرحلة الطلب بالدراسة الجامعية الأولى, أروض القلم على الكتابة نثرا وشعرا ولغوا في بعض الاحيان. وقد انتهت حياتي الشعرية بعيد ابتدائها اذ افلحت في قراءة وجوه المستمعين وهم زملاء الدرس ورفاق الجيرة اذ كانوا يصغون في معاناة واضحة إلى اشعار الفتى الذي لم يبلغ العشرين من العمر ولكنه يحاول ان يكتب شعرا مفرقا في الكلاسيكية ملتزما بأوزان الخليل بن احمد وقوافي الحارث بن حلزة و.. متى؟ في عصر ازدهار الشعر الحديث على يد شاكر السياب ونزار قباني ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور, وما ظنك بفتى يترك كل هؤلاء المبدعين ثم لا يتأثر في قول الشعر سوى بالاستاذ العقاد الذي كان شعره اصعب من نثره, وكانت شخصيته اصعب من شعره, لا عجب ان ينقطع الفتى ــ دارس آداب الانجليزية عن قول الشعر.. ليتحول على موضة تلك الايام. الى كتابة القصة القصيرة التي تفجرت على اديمها في اواخر الخمسينات عبقرية مدوية جاءت مثل نيزك منطلق من مجرة الفلك البعيد الى كوكب الارض, وكان اسمها يوسف ادريس. إلى رابطة الادب الحديث كنت اقصد في امسيات الاربعاء لأقرأ بعض قصصي القصيرة متلهفا على قدر من الاعتراف او التشجيع او فلنقل معتمدا على المولى وعلى مجاملة المستمعين. وكان منهم قصاصون واعدون كم كنا نرمقهم بإعجاب شديد اذ تنشر الصحف السيارة ابداعاتهم وكان بينهم عبدالفتاح الجمل الساخر ابدا. بلسانه الحاد وابوته الادبية ولغته الفريدة, وكان منهم بدر نشأت الذي نشر ايامها مجموعة قصصية ندية اذكر ان كان عنوانها هو (اخي البغل!) وكان منهم قصاص آخر اسمه (نوح) ظللت اتابع اخباره حتى الثمانينات الى ان عرفت انه طلق الادب بالثلاثة وتحول عنه الا الوظيفة كما فعل يوما عادل كامل. (وكان صنو نجيب محفوظ) ولا إلى التجارة وادارة الأعمال, بل ترك الابداع الادبي لكي يصبح من مشايخ الطرق الصوفية حيث تولى احد مناصبها الكبيرة ذات الارباح الوفيرة التي تحقق بالطبع المعيشة الوثيرة ولله في خلقه شؤون. ذات مساء في رابطة الادب الحديث اطل رجل ربعة اميل الى القصر والامتلاء, زحف على فوديه شيب مبكر. لا ازال اذكر كيف كانت ملامحه المبتسمة تشي بقدر عجيب من الطفولة والوداعة... وحين دخل القاعة.. اشاع في جنباتها لفوره جوا من الايناس والحبور والتجلي والوداعة ايضا. سألت فأجابوا هذا هو حمام اذن فهذا هو الاستاذ محمد مصطفى حمام الذي طالما قرأت عن نوادره ومقالبه على صفحات مجلة الاثنين او مسامرات الجيب وكانت من اخف المطبوعات ما في ذلك الزمان. لست اذكر ماذا قاله حمام في تلك الامسية البعيدة. ولكنني اذكر انني ظللت أتحين الفرصة كي التقي يوما بالرجل اذ كان شاعرا مجيدا وبليغا.. وكم ظللت اعلل النفس بأمنية ادعو على جناحها (حماما) الى لقاء اذاعي بعد ان اصبحت مذيعا اقدم في (صوت العرب) برنامجا اسمه (الفكر العربي يستضيف المفكرين والادباء. ولم يطل العهد بالامنيات فقد عرفت ان الاستاذ حمام سافر الى السعودية ومنها الى الكويت حيث لاقى ربه على أرضها وسط كرم وفادتها في منتصف الستينات من هذا القرن. ثم ها هو صديقنا الاستاذ جلال عارف يأتي عرضا على سيرة محمد مصطفى حمام في واحدة من استراحاته الطلية على صفحات (البيان) وها أنذا استعيد ما ظللت اختزنه في الذاكرة من سيرة هذا الاديب الموهوب بوصفه واحدا من ابرز الشعراء الصعاليك في العصر الحديث: فتى يشق طريقه في الحياة المصرية وخاصة في عصر الباشوات قبل الثورة بصعوبة ومشقة, وقد ناء كتفاه بحمل فادح ثقيل اذ كان يعول اسرة من عشرة ابناء. دون ان يسنده لقب رفيع او مال موروث أو منصب مرموق.. لم يكن يسنده سوى موهبة في ابداع الشعر البليغ الجميل, وروح ساخرة وقدرة على معاتبة الحياة وملاعبة الدنيا على اختلاف صروفها بين ادباء وادباء اذ كان اقبالها على الرجل من قبيل الاستثناء. واكرم بالموهبة المبدعة والنفس السمحة حين يرحل صاحبها عن الدنيا ثم يبقى منه ثمرات ابداعه غضة ابدا مونقة تجمع بين الاحتفال بالحياة ان لاحت بسمتها والعتب عليها ان تجهمت وغشى اساريرها العبوس... يقول محمد مصطفى حمام في احدى قصائده الطويلة. علمتني الحياه ان اتلقى…كل الوانها رضا وقبولا والذي ألهم الرضا لا تراه…ابد الدهر حاسدا أو عزولا ثم ها هو في قصيدة يرجع تاريخها الى اخريات ايامه يغني بنفس الروح السمحة ويوقع انغامه على وتر الشجن, شوقا الى الاهل وشكوى رقيقه من الزمن: نأى بي الرزق عن اهلي وعن ولدي…مستسلما لقضاء الله ممتثلا خلفت في مصر اكبادا, وها أنذا…من أجلهم أذرع الآفاق والسبلا وابتغي الرزق من جهدي واحمده…اذا اتاني رذاذا, او اذا هطلا وارقب الله في سري وفي علني…وليسأل الله دون الخلق من سألا وان أحدث بجرحى من أحب فكم…رقت قلوب لجرح القلب, فاندملا مع ذلك, فلا تظنن ان الشاعر حمام كان باستمرار على هذه الرقة او الوداعة. لقد ترك الرجل تراثا مما كان يسميه باسم الشعر الحلمنتيشي وهو ضرب مذكور من الأدب الساخر ـ المقذع في بعض الاحيان. ولولا ضيق المساحة لأفضنا ــ علم الله ــ في عرض (سواخره) . وقد اثلج صدرنا في مهجرنا الامريكي ان نقرأ في قاموس الاعلام للزركلي ــ رحمه الله ــ عند ترجمته الموجزة للشاعر ان (حمام) له ديوان مطبوع. ولا ندري هل ضم الديوان كل او جل هذه القصائد الساخرات. اللهم اننا نتقافز اونكاد بين كتب مختلفة وشهادات شتى ادلى بها معاصروه ومنهم الشاعر الراحل طاهر ابوفاشا كي نلتمس بيتا هنا من هذه السواخر وابياتا هناك كي تكتمل ملامح هي اقرب الى خطوط الرتوش للشاعر حمام الذي كان يحترف يوما صوغ الخطب السياسية المطولة لواحد من اكبر زعامات مصر قبل ثورة 1952 واذ حدثت الجفوة بين الباشا الكبير وبين كاتبه الفتى الصعلوك الموهوب.. لم يتورع الشاعر حمام عن اطلاق لسانه الساخر بشعر ذاع يومها بين المجالس (تنديدا) بالباشا وقال فيه: اسلموني إلى زعيم جهول…اخرق الصوت أعجمي البيان صغّر الله اصغريه ففيه…بعض قلب, وفيه بعض لسان صار دري حصا على شفتيه…شاه دري وشاهت الشفتان! ورحم الله الشاعر محمد مصطفى حمام