دق جرس الباب بعنف, وفتحت الباب لأجد شخصًا يتحقق من شخصيتي, ولقد أدهشني هذا, فأنا لا أستقبل زوارًا بلا موعد. فأحيانا أنسى أنني أعطيت ميعادا, لكنني لا أعطي مواعيد لأحد في الصباح. ولذلك نظرت إلى الطارق بشيء من الفضول . عرفني باسمه, ولم يكن هذا كافيا, فأنا لم أكن قد سمعت به, ولم يضف إلى اسمه وظيفته أو مهنته, ولما رأى ان اسمه لا يعني شيئًا لي قال ان الذي أرسله إليّ هو فلان وهو صديق عزيز وكاتب كبير, وجعلني هذا أرحب به, وان كنت لم أفسح له الطريق إلى داخل البيت كعادتي, وبالتأكيد كما كان يتوقع, فلقد استربت في ان يرسل لي صديقي شخصا دون مكالمة هاتفية. ووقفت انظر إليه متسائلاً عما يريد فقال لي: (أنا بتاع الكصة) (وأرجو من مصحح (البيان) ألا يصحح هذه الجملة. وأعرف انه عانى معي بالذات الكثير, ولكن ليكمل جميله ويترك الجملة بخطئها). ولما لم أفهم ما قاله الطارق استعدته ما قال, فأعاده مرات حتى تبينت انه يريد أن يقول : (انه صاحب القصة) , ولكن كلمة (قصة) تغيرت حروفها, فالقاف صارت كافا, وحتى الصاد صارت حرفا غير موجود باللغة العربية هو بين السين والصاد. وأخيرا والحمد لله فهمت ما يقول, ولكنني لم أفهم ما يقصد. ولذلك سألته عن (الكصة) التي قصدها, فقال لي ( قصة ناصر 56) !! وتبينت الموقف فجأة, ان هذا الشخص أتى إلى بيتي ليتهمني أنني سرقت منه (كصة) الفيلم. قال لي انه صاحب (كصة) فيلم ناصر 56, وانه كتبها منذ عشرين عاما, ولكن الرئيس جمال عبد الناصر اعترض عليها, فسجلها في الشهر العقاري, حتى فوجئ (بالكصة) على شاشة التلفزيون دون ان يذكر أحد اسمه أو يدفع له مقابلاً لها. ولا تحملني مسؤولية اضطراب التواريخ فالرئيس جمال عبد الناصر توفي منذ ثمانية وعشرين عاما. وبشكل عام أنا لم أناقشه في شيء, وقلت له في هدوء انه إذا كان هو صاحب (الكصة) وانه سجلها في الشهر العقاري قبل انتاج الفيلم, فحقه واضح لذلك فعليه ان يلجأ إلى القضاء, وانه إذا كان يملك هذه المستندات, فلابد ان يكسب القضية, وكلنا والحمد لله نحترم القضاء. ولما حاول المناقشة قلت له ان الصديق الذي أرسله إليِ لا شك نصحه بأن يلجأ إلى القضاء. وعندئذ قال لي دون ان يتردد لحظة: اذن اتصل بك واتفقتم عليّ؟! وكانت هذه الجملة هي التي جعلتني انتبه إلى انني أمام شخص مختل عقلياً. ومن الغريب انني كتبت أعمالاً كثيرة كان فيها (قصص) ولم يتهمني أحد والحمد لله بسرقة (الكصة) , ثم كتبت ناصر 56 وإذا كنت شاهدته ستعرف انه يعتمد بنسبة كبيرة جدا على معلومات موجودة في الكتب والصحف. أي ان القصة السينمائية في حجم صغير جدا, ومع ذلك فلقد أغرت هذه القصة الضئيلة عددًا كبيرًا من الذين ادعوا انها (كصتهم) وصديق لي ــ حياه الله ــ يقول ان سبب تفرد هذا الفيلم بهذه الادعاءات هو نجاح الفيلم, وهو تفسير من الطبيعي ان يجد هوى في نفسي. ومع ذلك فأنا بأمانة لا أرى ان هذا هو السبب, أو على الأقل ليس هو السبب الرئيسي. ففي رأيي ان السبب الحقيقي هو ان المعلومات الأساسية متوفرة مما يجعلهم يظنون ــ على فرض حسن النية ــ انهم يمتلكون هذه المعلومات, حتى ان واحدًا من هؤلاء قال انه صاحب تأميم قناة السويس! وفي بدايات حديث هذا الطارق, وهو الحديث الذي دار كله أمام الباب, وبنسبة كبيرة من طرف واحد, ظننت انه مثل شخص سابق رفع قضية قال فيها انه صاحب (الكصة) وفي النهاية قال انه رأى فيلماً ناجحًا, فأراد ان يحصل على بعض نجاحه! وعلى فرض حسن النية كان هذا الشخص السابق يريد المشاركة حتى ولو بدون وجه حق, وأظنه كان يعرف ذلك . أما الثاني فأظنه هارب من مستشفى الأمراض العقلية. وعندما قام الشخص الأول برفع قضية عليّ زاعما أن (الكصة) قصته, دهش سعد الدين وهبة لضيقي من هذا الأمر, ولما عرف انه موقف أواجهه لأول مرة لم يصدق, واستحلفني أن أؤكد له انها المرة الأولى. وقال لي انه لم يكتب عملاً واحدًا تقريباً إلا وكان له مؤلف آخر, وأحيانا أكثر من مؤلف, وان هذا جزء من النجاح, فهناك ــ هكذا قال ــ فئة حول الكتابة يدفعها المرض العقلي إلى ادعاء انها صاحبة أعمال لا علاقة لها بها, بل لقد اكتشفت ان أحد الذين رفعوا عليه قضية مدعيا انه مؤلف احدى مسرحياته, انه لم يشاهد المسرحية ولم يقرأها, ولكن (أولاد الحلال) قالوا له ان هذه هي مسرحيتك. وفي تلك الفترة أيضًا كان المخرج منير راضي في زيارة لي, فلما لاحظ ما بي من ضيق أخذ يضحك ساخرًا, وقال لي ان هذه الظواهر موجودة. وان هناك جماعة من المتخلفين عقليا ينسبون إلى انفسهم كل شيء. وبعد نحو أسبوع من هذا اللقاء حكى لي منير راضي انه في نفس الليلة التي التقينا فيها, وتكرم فيها باسدائي نصيحته الغالية بان ألقى في الطريق بهذه الترهات, كان في أحد الفنادق لمقابلة بعضهم, وإذا بشخص مجهول يتهمه بأنه سرق منه سيناريو فيلم (زيارة السيد الرئيس) وناقشه منير واندمج في المناقشة حتى أغمى عليه. واتصل بي منير ليعتذر عن نصيحته الذهبية! وليس معنى حديثي هذا انه لا توجد سرقات أدبية, بل ما أكثرها, وربما كان هذا موضوعًا جميلاً طريفاً لـ (استراحة) تالية. لكن حديثنا في هذه المرة عن فئة تنشأ حول الابداع, وهذا يذكرني بفئة أخرى قد يكون في الالماح إليها ما يوضح ما نتحدث عنه. ففى الصحف والمجلات وما شابه بعض الموظفين الذين يرون انفسهم أفضل من الكتاب. ويبدأون الكتابة فعلاً, ولأنهم لا يملكون القدرة على الكتابة, يتعرضون لمواقف تصل بهم إلى الجنون. وعندما كنت أعمل في (دار الهلال) وكان ذلك في صدر الشباب, أي منذ زمن طويل, كان هناك ساع أو فراش يحمل المواد من المكاتب إلى المطبعة والعكس, ودخل في روعه انه كاتب قصص سينمائية, وصارت له مشاكل مع فريد شوقي لأنه اعتذر عن فيلمه, أو مع رشدي أباظة لأنه يريد البطولة المطلقة, وكان صاحبنا هذا من ألطف الناس وأرقهم. ولكن ذات مرة فوجئ أمامه بهند رستم وكانت في زيارة لدار الهلال فسألها لماذا تعتذر دائماً عن بطولة أفلامه, ويبدو أنها قلقت من أسئلته وربما خافت فصرخت. واتهم صاحبنا بأنه حاول الاعتداء على هند رستم, وانتهى عهده بالعمل وانضم إلى الملايين الذين يسيرون في الطرقات فنظنهم عقلاء, ولكنهم لم يدخلوا المصحات العقلية لقلة عددها. ونعود إلى صاحبنا فلقد أوقفته وقتا طويلاً على الباب, وها قد أصبح الحديث يدخل في باب الخلل العقلي, قال لي: لقد تذكرتك الآن أنا أقابلك كثيرا في المواصلات العامة, وعلى المقاهي وفي بيت جابر الموجي! وللأسف الشديد لم أركب المواصلات العامة منذ ثلاثين عاماً, ولا أجلس على المقاهي, ولا أعرف من هو جابر الموجي! ولما قلت لصاحبنا هذا : أرفع قضية! قال لي: ولكنني لا أعرف محاميا. فقلت له ساخرًا: هل ابحث لك عن محام, وعندئذ شكرني بشدة, وأثنى على خلقي, فهاهو شخص طيب القلب يبحث لخصمه عن محام! ورغم انني أخذت من الموضوع جانبه الفكاهي, ورغم انني عشت التجربة تماماً, إلا وأنني حتى الآن ما زلت لا أفهم كيف يتخيل شخص انه مؤلف لقصة لم يكتبها. ولا أخفي عليك انني ندمت على اطلاق صاحبنا, بعد أن أغلقت الباب في وجهه, إذ لو تحدثت إليه بمودة ربما عرفت أكثر عن شخصية الذي يتوهم انه مؤلف لعمل لم يره, فلقد سألته: هل رأيت فيلم ناصر 56؟ فنفى ذلك, لكنه رفع حاجبيه وقال: وهل يخفى علي شيء كهذا؟ وما زلت نادماً على أنني لم أستوضح آخر ما قاله. إذ قال لي برجاء حقيقي: صارحني كيف وصلت إليك شرايط الكصة؟! وأحاول ان أفكر فيما قاله. وان أعرف اية أشرطة, فلا أجد اجابة, مال الأشرطة والقصص؟ اننا عندما نكتب نفعل ذلك على ورق مسطر أو غير مسطر فولسكاب أو كوارتر أو غير ذلك, أما الأشرطة فأنا لا أفهمها. ولعلي أقابل صاحبنا مرة أخرى فأسأله, وإذا لم يحدث سأبحث عن مؤلف أي (كصة) وأسأله!