أثناء تناولي طعام الإفطار في الفندق, جلست على يميني امرأة عجوز فرنسية وزوجها ويبدو من فعل الزمان في وجهيهما أنهما قد تخطيا سن الثمانين, ولكنهما كانا في كامل أناقتهما وعلى استعداد لمواجهة يوم جديد من السياحة في معالم مدينة فلورنسا, يعجبني في عجائز وشيوخ الأوروبيين هذا الحب للحياة, تشاهدهم في المتاحف والمعارض الفنية والعروض المسرحية وحفلات الموسيقى الكلاسيكية, عجوز وزوجها أو برفقة أحد أبنائهما أو إحدى حفيداتهما أو مع أصدقاء من نفس المرحلة العمرية. في الصباح زرت أهم معالم مدينة فلورنسا المعمارية ألا وهي كاتدرائية (سانتا ماريا دل فيوري) أي مريم الزهراء ويسميها الفلورنسيون (الدومو) أي القبة وهي أعلى معلم معماري في المدينة وقد صممها الفنان المعماري الفلورنسي الشهير (فيليبو برونليسكي) وقد دشنت في 25 مارس من عام 1436 ويذكر مؤرخ الفنون وأستاذنا الكبير الدكتور (ثروت عكاشة) في كتابه القيم (عصر النهضة أو الرينيسانس) أن البابا أوجين الرابع شارك في ذلك التدشين, ويقول عن ذلك الحدث الكبير: (فاصطف مواطنو تلك المدينة التوسكانية الثرية الرافلة في الرخاء لمشاهدة الموكب الفخم الجليل, وتزاحموا بالمناكب وهم يشقون طريقهم صوب المجاز الأوسط للكاتدرائية مرتدين حللهم الزاهية الألوان. ونحن إذا قارنا مستوى الحياة في هذا الاقليم بغيره من دول الشمال الأوروبي, ألفيناه قد بلغ غايته من الرفعة والازدهار, ففي الوقت الذي كان الاقطاعيون من الطبقة الارستقراطية في الشمال الأوروبي يقطنون حصونهم الرطبة الشبيهة بالقلاع كان علية القوم من الأسر الفلورنسية يقيمون في دور منيفة ذات طراز يحسدهم عليها الأباطرة والملوك. وانتظمت الطبقة العاملة في نقابات مهنية وتجارية متعددة.. وكان رؤساء النقابات الرئيسية هم أصحاب النفوذ في المدينة, يختار من بينهم أعضاء مجلس السنيوريا أي السيادة, ومن بين هؤلاء نشأت الأسر الغنية المشتغلة بالتجارة والأعمال المصرفية وأشهر هؤلاء الأسر وأقواها نفوذا كانت أسرة مديتشي التي تزعمها وقتذاك كوزيمو دي مديتشي الذي سيطر على دفة الحكم بحنكته السياسية وبراعته في المضاربة بثروته الطائلة, ولم يحاول كوزيمو قط أن يتخذ لنفسه لقبا خاصا أو يخلع على شخصه مظاهر السلطان البراقة, إذ كان من الدهاء والفطنة بحيث أدرك الشغف العميق لمواطنيه بالمساواة, فقنع بمنصب القائد السياسي, يحكم من وراء ستار بمعاونة النقابات المهنية التي كانت تدرك بذكاء هي الأخرى ان الحكومة المستقرة ذات العلاقات الودية السوية مع جيرانها هي أفضل السبل للحفاظ على كيانها المادي في اطار من الرخاء والتقدم. وكان أعضاء أسرة مديتشي هم أيضا ممثلو البابا المصرفيون الذين يتلقون ما يوهب للكنيسة من انجلترا وفرنسا والفلاندر محتفظين بها ودائع للبابا. وكانوا يقرضون المال بفوائد خيالية لحكام الدول الأجنبية عن طريق مكاتبهم الفرعية بلندن وليون وأنتويرب, ومن هذه الدخول البابوية كانوا يبتاعون الصوف الانجليزي ينقلونه بالسفن إلى فلورنسا حيث يجري نسج أقمشة فاخرة يصدرونها فيجنون فيها ربحا وفيرا جعل (الفلورين) سيد العملات في أوروبا. ولقد كانت قبة (برنلسكي) بشكلها المثمن وأضلاعها الأربعة والعشرين تعتبر فتحا جديدا في العمارة على الرغم من ان الكثير من جوانب الكاتدرائية المعمارية جاءت أمينة لتقاليد الطراز المعماري القوطي السائد آنذاك. تمشيت في أقسام الكاتدرائية المختلفة بين أفواج السياح المنهمرة كالسيل وعلى عكس الزخارف المعمارية الفنية الخارجية المتعددة الأشكال والألوان فإن الموجودات الفنية الابداعية داخل الكاتدرائية محدودة جدا بل يمكننا أن نقول انها فقيرة في تلك الناحية مقارنة مع باقي الكنائس في مدينة فلورنسا, في مدفن الكنيسة هنالك قبر مصممها ومهندسها (برونليسكي) الذي تشبهه الكتابة على القبر بايكاروس الذي حاول الطيران في الأساطير اليونانية لأن قبته الشاهقة ترتفع إلى عنان السماء, رخام الأرضية جذاب بتصميماته الهندسية التي تتابع عليها عدة فنانين فلورنسيين, لوحة الفنان (باولو أوتشيلو) في القسم الأيسر من الكاتدرائية جامدة مقارنة بلوحاته الشهيرة عن معركة سان رومانو. وقد كشفت التنقيبات الأثرية تحت الكاتدرائية من 1966 إلى 1973 عن وجود أساسات وبقايا لكنيسة (سانتا ريبارتا) التي بنيت فوقها كاتدرائية الدومو. صعدت إلى القبة لمشاهدة رسومات الفنان فاساري والفنان زوكاري ومساعديهما لموضوع (يوم الحساب) , لا أنصح أحدا بتسلق مئات الدرجات الشاقة والمجهدة في تلك السلالم الضيقة لمشاهدة مناظر تعذيب عصاة البشر في الجحيم بواسطة الزبانية الشداد الغلاظ. بعد زيارة (الدومو) ذهبت إلى متحف (الدومو) خلف الكاتدرائية وهو من أجمل المتاحف الصغيرة في العالم, أهم أعمال النحت الموجودة فيه: تمثال العذراء الأسيانة (بييتا) للفنان الكبير مايكل أنجلو, وكان الفنان يريد أن يضع ذلك التمثال على قبره ولكنه لم يكن راضيا عنه كل الرضا فكسره ولكن خادمه احتفظ بالقطع وأعاد أحد تلامذته تركيبه. وهنالك تماثيل جميلة لمجموعة من الأطفال الذين يعزفون على الآلات الموسيقية ويغنون ببهجة وسعادة للفنان دوناتلو والفنان لوقا ديللا روبيا, بالاضافة إلى أعمال فنية جميلة أخرى لدوناتلو وأندريا بيزانو. بعد ذلك رجعت إلى مبنى معمودية كاتدرائية الدومو, أبواب المعمودية المشهورة كانت بدعم من مجلس (السنيوريا) بالاشتراك مع نقابة التجار وكان الفنان (أندريا بيزانو) قد أعد باب الواجهة الجنوبية, وعندما أجريت مسابقة بين أبرز المثالين الفلورنسيين فاز فيها الفنان والمثال المبدع (لورنز جيبرتي) لاعداد باب الواجهة الشمالية الذي تفنن فيه إلى درجة أن أسماه مايكل أنجلو (أبواب الفردوس) . يدعي أهل فلورنسا إن بناء المعمودية الأصلي كان معبدا للإله مارس أيام الرومان القدماء ولكن المؤرخين يكذبون هذا الادعاء بالأصالة التاريخية ويقولون انه ربما بني في القرن السادس أو السابع الميلادي, قبة المعمودية مزينة في الداخل بلوحة موزاييك كبرى تصور قصص العهد الجديد في الإنجيل. كان الجوع قد هاجمني بعد كل تلك الساعات في تأمل روائع الفن الفلورنسي فتمشيت إلى ساحة (السنيوريا) ودخلت مطعم (روز) الذي يبدو أن العاملين فيه من عائلة واحدة, وتغديت اسباغتي وسمكة (تروت) . كل مرة أطلب فيها هذه السمكة النهرية اللذيذة الطعم أتذكر مقطوعة موسيقار (شوبرت) المسماة باسم هذه السمكة والتي قل ان وجدت في التراث الموسيقي العالمي نظير لها في حلاوتها وعذوبتها وجمالها. وللرحلة بقية