أخيرا.. ذهبت جائزة الدولة التقديرية المصرية في الآداب إلى حيث كان ينبغي أن تذهب من سنوات . وحصل عليها الصديق الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي ــ والروائي الكبير بهاء طاهر.. والاثنان ومعهما المخرج توفيق صالح الذي حصل على الجائزة في الفنون.. يزينون الجوائز التي حصلوا عليها ــ ويرفعون من شأنها. ولقد كان حجازي بالذات إحدى الحالات الصارخة على عدم الموضوعية التي تتسم بها قرارات اللجان التي تمنح هذه الجوائز, والتي تتكون ــ للأسف الشديد ــ من أغلبية من الموظفين التي تخضع للقرار الرسمي والحسابات السياسية الضيقة. لقد كان حجازي جديرا بأن يحصل على الجائزة قبل عشر سنوات على الأقل ــ ولكن التطورات السياسية وآثارها على الحياة الثقافية في السبعينات والثمانينات جعلت جائزة الدولة التقديرية في الآداب تذهب لفضيلة الدكتور عبدالمنعم النمر رحمه الله, والرجل عالم دين فاضل ووزير أوقاف بعد ذلك, ولكن لا توجد أى شبهة في علاقة ما بينه وبين فنون الأدب المختلفة. ومع ذلك فقد حصل على الجائزة التي كان ينتظرها طابور طويل من المبدعين منهم حجازي ويوسف إدريس والفريد فرج.. وكانت نكتة شغلت الأوساط الثقافية طويلا! لكن الأمور اعتدلت بعد ذلك, وحصل على الجائزة جمال حمدان قبل رحيله, وثروت عكاشة ويوسف شاهين وغيرهم من الوجوه المضيئة للثقافة العربية. لكن الجائزة ظلت بعيدة عن حجازي حتى نالها هذا العام ومعه بهاء طاهر وتوفيق صالح. والثلاثة كانوا من الطيور المهاجرة في السبعينات.. توفيق صالح هاجر إلى سوريا والعراق حيث أنجز بعض أفلامه الهامة, وبهاء طاهر ذهب إلى المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف حيث عمل بالترجمة حتى عاد قبل قليل بعد أن بلغ سن المعاش, وحجازي عاش سنوات في باريس معارضا لسياسة السادات ثم صالحه قبل اغتياله بقليل, ثم عاد إلى مصر نهائيا بعد سنوات ليخوض معارك فكرية عديدة ضد التطرف ومن أجل التنوير. ولقد فرحت الأوساط الثقافية بالفرسان الثلاثة في جوائز هذا العام, ولكن الفرسان أنفسهم لم يستكملوا الفرحة بعد أن اكتشفوا ان قرار زيادة قيمة الجائزة لن يطبق عليهم! وجائزة الدولة التقديرية كانت قيمتها منذ أن تقررت خمسة آلاف جنيه. وكان هذا المبلغ قبل أربعين عاما يساوي الكثير حتى بالنسبة لطه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد الذين حصلوا عليها في السنوات الثلاث الأولى وبهذا الترتيب الذي أغضب العقاد لانه جاء ثالثا. لكن الخمسة آلاف جنيه لم تعد تساوي شيئا الآن, ولهذا فقد تقرر زيادتها لتصبح خمسين ألف جنيه. ولكن مع الاعلان عن الفائزين بالجوائز هذا العام, أعلنت وزارة الثقافة عن فتوى قانونية تقول إن الزيادة لن تطبق إلا في جوائز العام المقبل. حتى ان البعض تبرع بتفسير اعطاء الجائزة للفرسان الثلاثة هذا العام بأنه (مقلب) من المقالب الساخنة التي تعودت عليها الحياة الثقافية. وأظن ان الرد على ذلك يكون بمنحهم الفارق بين قيمة الجائزة سابقا ولاحقا بصفة استثنائية, وهو أمر يستطيع المسؤولون تدبيره لو أرادوا! إن الفرسان الثلاثة (مستورون) والحمد لله. والأهم من ذلك ان المادة لا تشكل لأي منهم هدفا يسعى إليه. توفيق صالح يرفض أن يخرج أفلاما لا تخدم الأهداف التي عاش عمره من أجلها, حتى إن البعض وصفه بأنه (غاوي فقر) لانه لم يقبل أن يخرج فيلما يخدم ثقافة أخرى غير العربية مهما كان الأجر مجزيا, وبهاء طاهر لم تبعده الحياة في سويسرا سنوات طويلة عن آلام وآمال الفقراء في أقصى صعيد مصر, وحجازي ما زال رغم سنوات الغربة في باريس هو ذلك الفلاح البسيط الذي اعتبر القاهرة (مدينة بلا قلب) رغم انها لو قورنت بأي مدينة ذهب إليها في سنوات الغربة لاستحقت أن يقبل عتباتها وشوارعها وناسها وأنفاس الهواء في أجوائها. وذات يوم ــ قبل سنوات الغربة ــ سألت حجازي: هل يستطيع الشاعر أن يعيش من شعره في عالمنا العربي؟ ورد حجازي على الفور: طبعا.. فالشاعر يستطيع أن يكتب عشر قصائد أو أكثر في العام على الأقل, ويستطيع أن ينشرها في المجلات المحترمة وهي تدفع حوالي خمسة وعشرين جنيها في القصيدة, ثم يجمعها في ديوان يحصل منه على مائتي جنيه.. أي ان الشاعر يستطيع أن يحصل على خمسمائة جنيه في العام وهو مبلغ يكفيه لكي يعيش. وحتى بمقاييس الستينات, فقد كان هذا المبلغ يكاد يفي بالمستلزمات الضرورية للحياة. ومع ذلك فقد كان ــ من وجهة نظر حجازي ــ يكفي لكي يحقق الشاعر استقلاله. وقد اختلفت أمور كثيرة الآن, وتضاعفت الأجور والأسعار, ومع ذلك فما زال الشاعر في بلادنا بعيدا عن معانقة الثراء. وأقصى ما يطمح إليه هو حالة (الستر) التي كان شاعرنا حجازي يتحدث عنها من سنوات طويلة, وأظنه ما زال يتحدث عنها حتى الآن. وقارن ذلك بما كشفت عنه واقعة اعتزال الراقصة (دينا) وما قيل من انها تملك رصيدا في البنوك يزيد على خمسين مليون جنيه, غير الأراضي والمجوهرات. بينما نفت هي ذلك وأكدت ان ثروتها لا تزيد على خمسة ملايين جنيه, بل انها اشتكت من قلة الدخل بالمقارنة بمطربي هذه الأيام. وسواء كانت الحصيلة خمسة أو خمسين مليونا, فإن الراقصة المعتزلة لم تبرر احتفاظها بها بعد الاعتزال, فإذا كان الرقص ــ كما تقول في آخر أحاديثها ــ فنا حراما, فإن الأموال التي جاءت منه لا يمكن أن تكون حلالا, وعليها التخلص منها إذا كانت حقا ستتوب إلى الله عن كل الرقص الذي رقصته قبل أن تودع الفن (الحرام) !! ونترك منطقة (هز الوسط) بسرعة ونعود إلى عالم الشعراء والأدباء الغلابة الذين لا يطمعون في شيء من ثراء الراقصات أو أشباه المطربين أو لاعبي الكرة, ومع ذلك فهم يملكون الدنيا حين يمسكون بالقلم ويمارسون الابداع الجميل. وأتصور لحظة تساوي الملايين عند شاعر مثل حجازي وهو ينشد شعره لعشرات الألوف التي تجمعت في ملعب للكرة في سوريا لم يجدوا غيره ليستوعب المتعطشين لسماعه. وقد عاش حجازي فترة من أجمل سنوات عمره في دمشق أيام الوحدة, وعندما وقع الانفصال نزل إلى الشارع ليقود المظاهرات ضد الجريمة, وقبضوا عليه وأعيد لمصر بعد ذلك, حيث كتب إحسان عبدالقدوس واحدة من قصصه الجميلة القصيرة عن هذه التجربة كان عنوانها فيما أذكر (مكان لشاعر) يروي فيها تجربة شاعر في سوريا التي هي جنة للشعراء, وكيف تحول إلى نجم جماهيري يلقى الترحيب في كل مكان. ثم كيف عاد للقاهرة مفتقدا تلك المكانة وهذه الحفاوة التي يلقاها الشعراء هناك. ونختلف أو نتفق مع حجازي خاصة حين يرتدي ثوب المفكر. ولكنه يبقى دائما ذلك الشاعر الكبير الجميل الذي كان بحق صوت جيل بأكمله وهو يحلم ويحقق أحلامه, وهو ينتصر وينكسر, وهو ينهزم ثم يعبر الهزيمة. وكثيرة هي معارك حجازي منذ جاء للقاهرة يسأل الناس: يا عم من أين الطريق أين طريق السيدة؟ اشتبك مع الذين أنكروا المدرسة الشعرية الحديثة يومئذ, ولم يخش أن يقارع العقاد نفسه شعرا ونثرا. وما زال حتى الآن يشتبك في معارك متلاحقة. إنه كما يقول في إحدى قصائده: اعبر أرض الشارع المزحوم لا توقفني العلامة أثير حيثما ذهبت الحب, والبغض, وأكره السآمة ادفع رأسي ثمنا لكلمة أقولها. لضحكة أطلقها.. أو ابتسامة أسافر الليلة فجأة.. ولا أرجو السلامة! أما نحن فنرجو له السلامة دائما.. لنختلف معه حينا, ونتفق معه حينا, ونشتبك معه حينا, ونستمتع بشعره على الدوام!