الصحفيون اللبنانيون غاضبون ومعهم بحكم الزمالة والتضامن جميع الصحفيين في عالمنا المسكون بالعرب, وبالهم العربي . اما سبب الغضب فهو صفعة رنانة نزلت على خد زميلنا رئيس تحرير مجلة الشراع اللبنانية بيد رئيس الجمهورية نفسه.. وقد وقع الحادث على الملأ, وامام جموع المعزين الذين جاءوا الى سرادق وزير الداخلية اللبناني ميشال المر ليعزوه في وفاة والدته. ويقول الذين شهدوا الموقعة ان رئيس التحرير الطيب عندما شاهد الرئيس واقفا الى جانب الوزير وهو يتقدم نحوه ليعزيه مد اليه يده بالسلام وهو يقول (العوض في سلامتك يا سيادة الرئيس) .. فإذا بسيادة الرئيس لايكتفي برفض اليد الممدودة اليه بالتحية, وانما يهدر غاضبا وهو يشير بسبابة يده اليسرى الى باب الخروج من سرادق العزاء قائلا (بره ياولد) .. وفي رواية اخرى انه ارفق كلمة ياولد بوصف آخر مقتبس من بعض الحيوانات غير الكريمة. طبعا, احس الصحفي الطيب بجرح ما بعده, جرح.. فخرجت كلماته متعثرة وهو يتمتم ما هكذا يكون الرد على التعزية يافخامة الرئيس, ولكن فخامة الرئيس كان قد بلغ به الغضب مبلغا لا تكفى لاطفائه عبارات السب والشتائم, فاندفعت يمناه بحركة خاطفة مفاجئة لتهوى على الخد الايسر للصحفي الطيب بصفعة اخذت من فورها مكانها في التاريخ.. وتحدثت بذكرها وكالات الانباء ونشرات الاذاعة والتليفزيون, ومع ان شهود الحادث اكدوا ان الصفعة كانت من النوع خفيف المتوسط الذي لايخلع ضرسا ولا يترك علامة اكثر من بعض الاحمرار الذي لا يلبث ان يزول.. الا انها على اية حال اهانة مصحوبة بفعل مادي لا يمكن انكاره. وكان من الممكن ان يتطور الامر الى ماهو اكثر من ذلك لولا ان كل الموجودين بسرادق العزاء ــ ومنهم بالطبع عدد غير قليل من رجال الامن تدخلوا في الوقت المناسب.. ليحولوا دون اي تطور غير معقول. اما السبب في غضب فخامة الرئيس فكان مقالا نشره رئيس التحرير الطيب في العدد الصادر في نفس يوم وفاة والدة معالى وزير الداخلية اعتبره الرئيس تطاولا على فخامته, وتجاوزا لا يجوز من (ولد) في حق رئيس الدولة. ومع انني بكل تأكيد متضامن مع الزميل اللبناني, واشارك كل الصحفيين العرب ــ وربما الافارقة والآسيويين ايضا ــ غضبهم من اجل الكرامة الصحفية التي اريقت على خد صاحب الشراع.. الا انني ارى ان هذه الصفعة دليل على الديمقراطية وليست ضدها. فقد اعتدنا في معظم بلدان العالم الثالث ان الرئيس لايعبر عن غضبه من هذا الصحفي او ذاك بصفعة على الوجه, او لكمة على الفك او بسيل من الشتائم والسباب.. وانما الذي يفعله الرئيس عادة عندما يغضب هو ان يستدعى وزير داخليته, او ربما يكتفي بالحديث معه عبر الهاتف.. فإذا بالصحفي موضع الغضب يساق الى السجن ــ او المعتقل ــ رهن المحاكمة, وفي معظم الاحيان بدون محاكمة على الاطلاق.. وفي طول الطريق الى السجن وفي داخله, وفي المحكمة اذا كانت هناك محكمة يتلقى عشرات بل مئات الصفعات والركلات على وجهه ورأسه وبطنه وظهره.. حتى يقضي الله بأمر فيه كان مفعولا. وقد يحمد الله اذا خرج من السجن القصير او الطويل بدون عاهة مستديمة نتيجة بعض نوبات الغضب الرئاسية. ولكن الرئيس اللبناني لم يفعل ذلك, ولم يأمر وزير داخليته بالتنفيس عن غضبه مع انه كان يقف الى جواره في سرادق العزاء.. ولم يستعن بالسلطة للانتقام من غريمه.. وانما استخدم يده.. تماما مثلما يفعل اي بائع في الشارع مع زبون اغضبه. وهذه في اعتقادي حجة للديمقراطية.. وليست ضدها.. ان ينسى رئيس الدولة كل سلطاته وهيلمانه فيتصرف مثل اي بائع! هذه صفعة ــ اذن ــ دخلت التاريخ. ولما كان الشيء بالشيء يذكر.. فإني اذكر صفعة مماثلة من حيث النوع وليس من حيث اتفاق المناسبة, جرت ذات يوم في مجلس الشعب المصري ايام الرئيس السابق انور السادات. وكان بطل تلك الصفعة وزير الداخلية حينذاك.. وكان هو المصفوع وليس الصافع. اما الذي صفعه فكان نائبا معارضا من محافظة الشرقية اسمه طلعت رسلان.. واما مكان الموقعة فكان في مجلس الشعب, واثناء انعقاده في جلسة مذاعة بالتليفزيون على الهواء.. وكان الوزير الساداتي مشهورا بسلاطة اللسان. المهم ان ذلك الوزير صعد الى المنبر في مجلس الشعب في تلك الجلسة المشهودة ليجيب عن سؤال مقدم من احد نواب حزب الوفد المعارض, فإذا به ينتهزها فرصة ليشن ضد الوفد حملة ضارية استخدم فيها قاموسه المختار من الشتائم اللاذعة. وربما كان من الممكن ان تمر الحملة مثل غيرها من الحملات غير الموضوعية التي اعتادها الناس من الوزير الفلتان لولا انه تعرض لقيادات الوفد التقليدية التي مازالت تتمتع بقدسية خاصة لدى الوفديين رغم انتقالهم الى رحمة الله من سنوات بعيدة فوصف سعد زغلول بأنه دجال, واتهم مصطفى النحاس بالعبط والنصب والاحتيال. وهنا.. لم يطق طلعت رسلان صبرا, فنهض من مكانه بين النواب, وتقدم من المنبر في هدوء, حتى اذا ما وصل اليه رفع كفه ليهوى بها بكل قوته على وجه الوزير الذي فاض به الغرور. ومثلما حدث مع زميلنا, الصحفي اللبناني, شلت المفاجأة فكر الوزير المنفوخ فلم يستطع ردا.. ورآه ملايين المشاهدين على شاشة التليفزيون وهو يقف مذهولا بعينين جاحظتين ويده تتحسس خده الايسر كانما لايصدق ما حدث. وبنفس الهدوء, والخطوات الواثقة, عاد طلعت رسلان الى مقعده.. تاركا الدنيا تثور وتهيج عند المنبر حيث تمرغ غرور الوزير في التراب. وما حدث بعد ذلك.. مجرد تحصيل حاصل. ففي مجلس الشعب صدر قرار بفصل النائب صاحب الصفعة التاريخية. اما الوزير المصفوع فلم يبق في مكانه طويلا حتى وجد نفسه في الشارع. واما الصفعة فقد دخلت التاريخ.. لكي تدركها بعد سنوات طويلة صفعة الرئيس اللبناني. واذا كان فرق بين الصفعتين, فهي ان القديمة كانت احتجاجا ضد انتهاك الديمقراطية.. اما الثانية, الحديثة, فهي تأكيد للديمقراطية.. والله اعلم.