كان ذلك في الربع الاخير من القرن الثالث عشر الميلادي.. في احدى سنوات تلك الفترة توكل على الله الاديب الكبير علي بن سعيد المغربي وقرر زيارة القاهرة حاضرة المشرق ايامها والتعرف على مبدعيها وعلمائها ومثقفيها, كان بن سعيد في طليعة ادباء غرناطة عروس الاندلس ايام مجدها العربي ــ الاسلامي وكان قد وضع كتابا اختار له عنوانا طريفا هو (المرقصات والمطربات) ثم وضع بعد رحلته بين اقطار المشرق والمغرب كتابه الشهير بعنوان (البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب) وفي هذا الكتاب شذرات من ذكريات علي بن سعيد عن زيارته الى مصر واحاديث طلية شتى عن شعراء مصر ومبدعيها في تلك الفترة ـ عصر المماليك, وربما تأثر الاديب الاندلسي بواحد من هؤلاء الشعراء هو يحيى بن عبدالعظيم فآثر ان يكتب ترجمة طويلة ومفصلة لسيرته, ولأمر لا ندريه جذبته حقيقة ان هذا الشاعر المصري كان يعمل لحاما او جزارا ولأمر آخر لاندريه ايضا لم يشأ ان يمر مرور الكرام على حكاية الجزارة هذه وقد لا تليق بشاعر مبدع او اديب رقيق حساس.. بل اخذته جلالة الدقة كي يحدثنا.. عن ان الشاعر ينحدر من نسل جزارين اصلاء, حيث يقول الاديب في سطور كتابه الذي ذكرنا: (وكان يحيى بن عبدالعظيم بين شعراء الفسطاط بمنزلة الواسطة من السلك, وكان ابوه واقاربه جزارين بالفسطاط, دكاكينهم بها الى الآن قد عاينتها وابصرته معهم بها (شوف الدقة!) وكان (الشاعر) في اول امره قصابا مثل أبيه وقومه, فحام على الادب مدة واكثر حوله من حوْمه, فرفعت له في القريض راية.. ولم يزل ذلك دأبه في بلده حتى اخذ علو الطبقة بيده, فصار العلم الذي اليه الاشارة بين الجميع, واصبح جوالا في آفاق الديار المصرية.. الخ. بدأ يحيى بن عبدالعظيم حياته العملية ممسكا بساطور.. وحين راوده طائف الشعر ــ تحول عن مهنة ابيه واجداده, وربما فارق دكاكين ذبائحهم التي عاينها صاحبنا علي بن سعيد في الفسطاط ــ وظل يجوس في ديار مصر ــ دلتاها وصعيدها وثغورها وبنادرها يقول الشعر وربما يجني خلعة هنا ويحوز مكافأة او صلة هناك وعلى كل حال.. فقد دخل التاريخ تحت اسم.. الشاعر الجزار (صاحب الملحمة في الفسطاط) ولله الامر من قبل ومن بعد.. ولان العصر المملوكي وقد داخله ايضا العصر التركي.. لم يكونا من العصور التي يجود فيها الشعر.. وانى له ان يجود أو يغتنى مبدعوه وقد كان حكام تلك الفترة اخلاطا من الارناؤوط والديلم والخرز المجلوبين من بلاد لاتقرأ العربية ولا تستجيد شعرا يكتب بها لا في بحور الشعر ولا في بوادي النثر ــ فقد كان معظم شعراء تلك الفترة كما المحنا اليك في حديث سبق ــ من طبقة البروليتاريا, عمالا وحرفيين بسطاء وفقراء.. والادهى والانكى ان شيطان الشعر ــ قاتله الله ــ كان لا يلبث يصرفهم عن تجويد صنائعهم وكسب اقواتهم.. فكأنهم كانوا يدفعون ثمن الموهبة التي حظوا بها.. هكذا كان عيد النحر الكبير يهلّ على الناس وقد توسعوا فى الرزق ولحوم الاضاحي الا صاحبنا الجزار الشاعر الذي تخلى عن حرفته وربما تخلت عنه الحرفة فصار فريسة الحاجة والا ملاق.. وفي هذا يقول: لاتسلنى عن الزمان فانى…قد بدت لي اضغانه وحقوده زمن لان عطفه عند غيرى…وهو عندى صعب المراس شديده كيف يبقى الجزار في يوم عيد…النحر رهن الافلاس واليوم عيده يتمنى لحم الاضاحى وعند…الناس منه طريه وقديده وهكذا تحير الشاعر الجزار وحق الله.. فلا الجزارة خليقة بشاعر ولا الشعر بصناعة رابحة بعد ان انقضى العصر الذهبي الذي كان الخلفاء البلغاء يجازون على الابداع بأوزان الذهب ــ هذه الحيرة صاغها الشاعر الجزار في ابيات تقول: اصبحت في امرى ولا اشكو لغير الله حائر…ولكم يذكرني الشتاء بامره, ولكم اكاسر واللحم يقبح ان اعود لبيعه والشعر بائر…ياليتني لا كنت جزارا ولا اصبحت شاعر وربما امعن شاعرنا في النظر الى بؤس حاله.. وربما تتابع في وجدانه شريط من ذكريات مريرة كان يقول فيها شعره الجميل الرصين في مجالس هذا الاغا المجلوب او ذلك الاقبغا المملوك فلا يعود بطائل بل قد يعود بالخسران والزراية.. فاذا به يعود ليفتح دكان اللحام.. واذا به وقد الح عليه طائف الشعر فهو يقول: لا تلمني ياسيدي (شرف الدين) اذا ما رأيتني قصابا كيف لا اشكر الجزارة ما عشت حفاظا واهجر الآدابا فبها صارت الكلاب ترجّينى, وبالشعر كنت ارجو الكلابا ولقد حدثناك من قبل ــ كثيرا ــ عن شعر المعارضات حيث يتصدى شاعر محدث لقصيدة مشهورة لشاعر قديم فينسج على منوالها نهجا على الوزن والقافية.. ويحدثنا الاديب طاهر ابو فاشا (في كتاب طريف له عن الذين ادركتهم حرفة الادب) عن ريادة الشاعر الجزار في فن المعارضات, ويورد لنا معارضة الجزار لقصيدة امرىء القيس اللامية, قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل, وقد عارضها الجزار في قصيدة مفعمة بالسخر والخفة والمرارة ايضا ولكن دون ان يلتزم بالوزن فقال: قفا نبك من ذكرى قميص وسروال…ودراعة لى قد عفا رسمها البالى وما انا من يبكى (لأسماء ان نأت)…ولكنني ابكى على فقد اسمالى ولو ان امرأ القيس بن حجر رأى الذي…اكابده من فرط همى وبلبالى لما مال نحو الخدر صوب عنيزة…ولا بات الا وهو عن حبها سالى ولا سيما والبرد وافى بريده…وحالى على ما اعتدت من عسرها حالى ترى هل يرانى الناس في فرجي…اجر بها تيها على الارض اذيالى ولو انني اسعى لتفصيل جبة…كفانى ــ ولم اطلب ــ قليل من المال ولكننى اسعى لمجد بجوخة…وقد يدرك المجد المؤثل امثالى ولقد نختم مبحث المعارضات الشعرية بالاشارة الى قصيدة شهيرة في آداب العربية شغفت بها, يدورها, اجيال الشعراء ـ جادين وهازلين على السواء ـ والقصيدة هي التائية التي انشدها ابو الحسن الانبارى في رثاء (ابن بقية) الذي كان وزيرا في عهد بن بويه ثم اربدت امامه سحنة الدنيا وتغيرت الاحوال فقبض عليه عضد الدولة وقتله ثم صلبه وقيل انه وضعه تحت اقدام الفيلة حتى سحقته (تصور!) ثم رفعه على الاعواد مصلوبا وكان ذلك في عام 978 للميلاد, هنالك لم يكذب الشاعر الانبارى خبرا بل ارسل ابياته في رثاء جليل يلخصه استهلال القصيدة وكأنه افتتاحية نشيد جنائزي فقال: علوّ في الحياة وفي الممات…لحق انت احدى المعجزات ولقد كنت اتصور ــ علم الله ــ ان الشاعر حسين شفيق المصري هو الذي تفرد دون غيره بنظم معارضة ساخرة هازلة لهذه المرثية حين قال ساخرا من احد الاشقياء الذي حكمت عليه محكمة جنايات بالاعدام: تنام على السطوح وانت حى…وتشنق عند موتك.. يافلاتى ثم كان ان صحح لنا الاستاذ ابو فاشا موضحا ان هناك معارضة أخرى لتائية الانباري ولكنها لم تكن مرثية بل كانت هجاءً مشبعا بالسخر قيل بحق مطرب شاء له حظه العاثر ان يكون اسمه (نجاتي) , يعني على نفس روّي قصيدة الانباري, والمعارضة تقول في هجاء المطرب المسكين: ألا قُبحا لصوتك يا نجاتي…لحقّ انت احدى المُزعجات فلو اني استعنت على عدوٍّ…بصوتك لاسترحت من العداة ولو غَنيتَ في عرس بهيج…لصيّرت الرواقص .. لا طمات ولو أذَّنت للصلوات يوما…رددتَ المسلمين عن الصلاة ولو جاورتَ بيت الله تشدو…بصوتك في البقاع الطاهرات لقلنا الحج ليس بمستطاع…فأبْطلْتَ الفريضة .. يا نجاتي وغفر الله للشاعر الساخر الموهوب, واسمه محمد مصطفى حمام الذي فاضت روحه في الكويت الشقيقة عام 1964.. بعد ان ملأ الدنيا شعرا ونثرا وابداعا وصعلكة وفعالية لانواء الحياة ومعابثة لها في آن .. وتلك قصة تستحق أن تروى.