أصارحك القول انني لم اجد صعوبة في كتابة (استراحة) من (استراحات البيان) كما اجدها في كتابة هذا المقال , وليست الصعوبة في موضوعه, بل في بعض حساسيات الاقتراب منه. فكلما كنت قريبا من الموضوع, كلما كان صعبا تناوله ونتيجة هذه الصعوبة هذه ثالث مرة ابدأ فيها كتابة ما أكتب, ولقد تعودت على ان اكتب مرة واحدة وألا اعود مرة اخرى الى ما كتبت, ولكي يحدث هذا لابد ان يكون داخلي شيء من اليقين. لكنني كثير الحيرة في هذه الرواية وعنوانها (بين الحب والحزن) وهذا هو أول خلاف بيني وبين مؤلفتها الدكتورة سعاد فطيم. فهي تحكي عن اسرة من الخمسينات حتى السبعينات, وهي اسرة مشغولة بالسياسة الى حد تعرض احد افرداها لدخول السجن. واهتمام بعضهم بالعمل السياسي. وقد عايشوا فترات مثيرة منذ حرب 56 الى نكسة 67 الى حرب 73. وهي احداث لا أتصور التعبير عنها بهذا العنوان الرومانسي (بين الحب والحزن) وهو عنوان يصلح لكثير من القصص في حين ان لقصة سعاد فطيم خصوصيتها التي كانت تحتاج في رأيي الى عنوان خاص جدا. لقد كنت قريبا من الاحداث التي حكتها سعاد فطيم. ولقد فكرت في كتابة هذه الاحداث في رواية. ولما كانت علاقتي بالدولية قد انقطعت منذ ربع قرن, فلقد جلست متهيبا وكتبت في الصفحة الأولى عنوان (رباعية عبثية) , وكان تصوري ان الرواية ستكون في اربعة اجزاء أو اقسام. وكتبت فصلا ما يمكن اعتباره جزءا أو قسما, لكنني توقفت, ربما لأنني اجد صعوبة في كتابة الرواية بعد ان هجرتها طويلا. ولأن سعاد فطيم تعرف انني مشغول بهذه الاحداث, وربما لأسباب اخرى, قدمت لي مسودات الرواية قبل نشرها. وبالطبع استمتعت بقراءة الرواية, فليس هناك اجمل من ان تقرأ عما تعرفه عن قرب. ولكن رغم استمتاعي اختلفت مع الكاتبة فورا. بالتأكيد لأنني كنت ارى ما يحدث من وجهة نظر أخرى. وعندما مضت فترة وتأملت أسباب خلافنا, لم أر ان الخلاف لا يتوقف عند وجهة النظر فقط, بل ربما كان في التكوين النفسي لكل منا, فأن أرى اللون الاسود قبل اللون الابيض. وأرى ان القلم يجب ان يكون في يد الروائي أحدّ من مشرط الجراح حتى يغوص في اللحم, ويبحث عن الداء, ربما استطاع علاجه. أما سعاد فطيم فترى الحياة بمنظار وردي. وعندما تحدث كارثة فهي تخفي عنا بعضها. انها تبكي بالنيابة عنا. انها تحول حادثة السيارة التي نثرت الدماء والعظام وشوهت معالم المصابين الى صورة انيقة قد ترغب في تعليقها على جدار بيتك. انها تذكرني بعدد من الروائيات الانجليزيات: اميل وشارلتون برونتي وجي أوستني. وهذه الاخيرة في روايتها (الكبرياء والهوى) تقترب من بعض المثالب, فلا نراها كذلك. ولقد قلت لها رأيي بعد قراءة المسودة. قلت لها انها فتحت ابواب (هاديس) العالم السفلي عند الهيليين. وعليها ان تدخل لتصور لنا ما يحدث فيه من فظائع. وبالطبع كان هذا من نافلة القول, لأن كل كاتب يكتب على هواه. ومن الظلم ان نحاول تغيير الزاوية التي ينظر منها الى الاحداث. ولقد استمعت الكاتبة الى رأيي, لكنها لم تأخذ به. وكان هذا جزءا من اصالتها. وعندما صدرت رواية (بين الحب والحزن) قيل لي انك احد شخصيات هذه الرواية. وبحثت فلم أجد نفسي. وهذا شيء طبيعي فنحن نرى انفسنا غير ما يراه القصاص الذي يكتب عنا. أذكر انني كتبت قصة قصيرة ــ عندما كنت منصرفا الى كتابة هذا الجنس الادبي ــ عن فتاة كانت زميلة لنا في الجامعة. وكانت تجمع بين صفات متناقضة. فكانت شديدة التأثير على الرجال مع افتقادها إلى الجمال. وكانت شديدة الرومانسية الى حد انك تخشى عليها الموت مثل غادة الكاميليا, وفي الوقت نفسه كان فيها شيء من السوقية. ولم تكن شخصا هاما في هذه الفترة, ولا بعدها, ومع ذلك كانت مرتبطة باحداث هامة في تاريخ الجيل. وعندما نشرت القصة اثار الاصدقاء قلقي من غضب الزميلة ومنّ علي احدهم بأنه اقترض منها المجلة التي نشرت القصة قبل ان تقرأها. وانه من اجلي لن يعيدها لها. واحدهم مازحني بأنه سيرسل بها إلى صاحبتها في البريد. وعندما كنت التقي هذه الزميلة كنت اتأمل ملامح وجهها لاعرف هي قرأت القصة ام لا. وفي لحظة تهور, وربما من باب وقوع البلاء ولا انتظاره, قدمت القصة الى الزميلة, وطلبت منها ان تقرأها. ومازلت رغم مرور السنين اذكرها وهي جالسة في مكتبي مستغرقة في القراءة, وانا اتشاغل بأي شي. ولكن اعصابي تحترق, وابحث عن الكلمات التي سأرد بها عليها اذا فقدت اعصابها, وفي النهاية ابعدت القصة, ومطت شفتيها وقالت: انت تكتب عن نساء من المريخ, اين هذه المرأة التي تفعل ما حكيته! انها لم تر نفسها في القصة, بل لم تر اية امرأة اخرى. وفي تلك الفترة كانت هناك قصة اكثر شهرة. وكنت قد كتبتها عن احد زملائنا. ولم يختلف اثنان في معرفة حقيقة بطلها الذي عبرت عنه حتى بالكلمات التي يرددها في كل لحظة. وكنت ايضا اخشى ان يقرأها. وذات مرة وكنا كثيرين بدأ يتحدث عن القصة بين دهشتنا جميعا. واثنى عليها كثيرة. ايضا لم ير نفسه فيها. والمدهش ان كل الذين قرأوها على مدى ثلاثين عاما رأوا فيها صاحبنا, ومازالوا. والناس يحبون ان يكونوا في قصص الآخرين. ليس هناك كاتب لم تقل له فتاة: قصة حياتي تصلح لرواية كبيرة. وليس هناك كاتب يمر عليه اسبوع دون ان يحكي احدهم له قصة يرى انها تصلح لعمل كبير. ومع ذلك فالناس يقلقون لتحولهم الى شخصيات في قصص الآخرين. انهم ينظرون في المرآه فيرون انفسهم ليس بوجوههم التي يعرفونها. والرواية (بين الحب والحزن) كما ذكرت هي قصة اسرة في نحو ربع قرن او اكثر من ذلك. بل هي اكثر من ذلك انها احداث وطن في هذا الزمان, من وجهة نظر متابعة تبحث عن المثاليات. فهي رغم انشغالها بالتاريخ لنفسها وللاسرة الصغيرة, الا انها تسجل ما يحدث في المجتمع من احداث وظواهر. وهو اسلوب طيب. فنحن لا يمكن ان ننعزل عن مجتمعنا. ومن الواضح ان الشخصيات التي تناولت سعاد فطيم في روايتها مهتمه بالقضايا العامة, وبالتالي فهي تؤثر في الاحداث وتتأثر بها. ولاشك ان للكاتبة وجهة نظر في الاحداث السياسية, وهذا حق كل كاتب بل واجب, وانا من الذين يحترمون وجهة نظر اي كاتب, ولو كانت مخالفة تماما لوجهة نظري. ولكن الرأي السياسي له شروط في العمل الروائي بينها ان يذوب في نسيج العمل الفني. في الفصل الثامن عشر المعنون: النكبة.. الرحيل.. تتحدث فيه عن نكسة يونيو 67 وتبين كيف انها كانت وحدها المتشائمة عن سماعها خبر الحرب. ثم: وظهر (الرجل الكبير) على شاشات التلفزيون ضعيفا حزينا كاسف البال ليعلن عن قراره بالتنحي عن الحكم لأنه كما تقول المؤلفة خيب آمال شعبه والشعوب العربية التي كانت تراه المخلص والرائد. وقامت المظاهرات تخفض قراره وطالبته بالبقاء, ربما كان هذا المطلب يعني عدم السماح له بالتنحي وتركه لهم ضائعين في خضم العار والهزيمة. لابد ان يبقى ليذوقها معهم ويجني معهم الحسك الذي تبقى على ارضهم والذي سوف يظل طالما بقى المستعمر الاسرائيلي يطأ ارض الاوطان التي هانت ويدنس شواطئها التي صمتت امواجها خزيا وعارا. لقد انتلقنا فجأة من الرواية البرونتية الجميلة الناعمة الى آراء في السياسة من حق كاتبتها ان تقدمها, لكن من حق قارئها ان يعرف مبرراتها. بل من حقه ان يقلق اذا رأى فجأة مثل هذه الفقرة غير الروائية في عمل روائي. ولكن الكاتبة ارادت ان تقول كل شيء في هذه الرواية. وما احد يقول كل شيء في رواية. ولذلك اتمنى الا تتوقف بعد هذه الرواية الوحيدة. بل تحاول بعد ذلك ان تحكي لنا بعض ما اوجزت. وبالطبع لا اقصد نفسي في هذا, فأنا مثل غيري لا ارتاح لتحولي إلى شخصية روائية. والحمد لله بحثت عن نفسي فلم اجدني. كلمة اخيرة.. عن أدب المرأة لقد ظللت اعارض واتجاهل هذا الادب, حتى أخذت اواجهه بكم كبير الآن. كنت اتمنى أدبا يعالج قضايا الرجل والمرأة. ولكن ادب المرأة اتسع على الساحة. واصبحت له سمات خاصة. وعلينا ان ندرسها. وبين ما اقنعني بذلك رواية (بين الحب والحزن) للدكتورة سعاد فطيم رغم انني لم اجد فيها نفسي, او ربما لأنني لم اجد فيها نفسي.