كلما مر يوم أدركت يقينا ان وشاح الامية مازال يلف رقبتي ورقابا أخرى يتفوه اصحابها بالعلم, فأبدو تافها, صغيرا, وضئيلا امام طوفان بلايين الشفرات التي لا اتقن فكها, ولا يتقن فكها معي اساتذة كبار وأفاضل . وببساطة يتحول أغلبنا الى اشكال تافهة في زمن يتواصل بثورة المعلومات, فلم نعد نساوي صفرا بعدما تمرد الصفر على جميع الارقام واصبح سيدها ومحركها واساسها, وفي الوقت الذي تحتفل بعض أقطار الوطن العربي فيه بنجاح محاولات للقضاء على أمية الكتابة والقراءة تحتفل دول اخرى في العالم بتحرير أفرادها من عقدة التعامل مع اجهزة الكمبيوتر وكسر الحاجز النفسي والانتصار على الأمية التكنولوجية. وبين هؤلاء وهؤلاء تتضاءل المسافات وتصغر حتى انك لا تراها, بينما تكبر الاصفار والارقام الاخرى فتخرج من عنق الزجاجة لتخبر عن نفسها وعن الآخرين, فأنت تتحدث وتكتب وترى وتسمع ورغم ذلك ما انت الا صفر في فضاء التكنولوجيا الرقمية التي ارتسمت كالسحر في عالم لا يؤمن الا بلغة الارقام والمعلومات المتواصلة. اذن مازال اكثرنا مطوقا بوشاح الامية. اقول ذلك ونحن نعيش زمن التكنولوجيا الرقمية, وزمن الواقع الافتراضي, وزمن الانترنت الذي قلب المفاهيم رأسا على عقب, وزمن حرب المعلومات المقبلة التي قال عنها جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات الامريكية انها تشبه في خطرها على الامن القومي خطر اسلحة الدمار الشامل والارهاب الدولي. ورغم ذلك مازلنا مطوقين بوشاح الامية.. لأن اغلب وسائل الاعلام العربية او كما يحلو للبعض ان يسميها وسائط الاعلام تتعامل بمبدأ المعلومة الناقصة عمدا مع سبق الاصرار والترصد, فيتصدى بعض العاملين فيها لمصادرة المعلومات وتشويهها متخذين من منطق النعامة منهجا لتعاملاتهم مع الآخرين, في حين ان سيل المعلومات اصبح يتخللنا من حيث لا ندري.. أليست تلك معادلة مضحكة..! في ظل ذلك تبدو المقولة المكررة التي يطلقها الاعلاميون دائما وهي ان العالم اصبح قرية صغيرة, تبدو تلك المقولة من تراث الامس بعد ان تحول الانسان الى عالم كبير ومتسع, فانت تتواصل مع العالم الخارجي بكل سهولة ولين, بعد ان اصبحت بفضل الوسائط التكنولوجية تراه وتسمعه, تخاطبه ويخاطبك, تتعامل معه ويتعامل معك.. فمن الاذاعة الى التلفزيون الى الصحف والمجلات, مرورا بالمودم والهاتف والشيفرات الاتصالية الاخرى وصولا الى وكالات الانباء والبث الفضائي والانترنت, فالتكنولوجيا الرقمية التي تحول كافة المعلومات المرئية والمسموعة الى رقمي واحد وصفر, فتصبح الكلمات ارقاما والاصوات ارقاما والصور ارقاما, وبسهولة تجد نفسك تملك مفاتيح الاشياء وانت مستلق دون جهد او تعب. اذن نحن في ظل هذا التسابق المحموم نحاكي زمنا معلوماتيا مثيرا وخطيرا, يعتمد في تعاملاته اليومية على حجم ما نملك من معلومات, ولذا يأتي تركيز المختصين على الوسائط الناقلة له بشكل كبير ومضاعف, فبعد ان تسارعت المعلومات ونمت بشكل مثير اصبح لزاما على المهتمين البحث عن اوعية تستوعب ما يأتي منها وما يفيض, ولهذا اتت فكرة بيوت المعلومات وبنوكها بعد التسارع بين الدول في فتح الفضاء الخارجي وتنامي التكنولوجيا وتواصلها بشكل مذهل. ومن هنا, أصبحنا امام حجم المعلومات المتزايدة مجرد ارقام, فهذا يعرفنا من خلال كم المعلومات المتاحة بين يديه عنا, وذاك يعرفنا من لمسة زر صغيرة. كل ذلك يتيح للآخرين معرفتنا وفهمنا بشكل يسير, وبالتالي تصنيفنا ووضعنا في جداول وارقام يسهل تناولها وبحثها وتحليلها. الآخرون اذن يعلمون عنا كل شيء لانهم مهتمون بنا وبالمعلومة المتوفرة عنا, ويحاولون في كل مرة تدقيقها ورفدها بالجديد, لأنهم يدركون اهمية المعلومات, بينما نحن ضائعون لا نعرف عن الآخر الا معلومات عامة ربما اغلبها خاطىء, لأن البناء الحقيقي غير متوفر والحس بها ضائع ومعدوم, ومن هنا تأتي قراراتنا اليومية على جميع الاصعدة ناقصة ومبتورة لانها تعتمد على تلك المعادلة المضحكة, فاذا كانت غرفة نومنا من خلال وسائط التكنولوجيا تأتينا بالاسرار الخفية, فلماذا اذن تلك الوصاية الناقصة على المعلومة ولماذا نلفها في ورق (السولفان) وهي مبتورة وضائعة؟! كل ذلك ومازلنا نحتفل بمحو الامية.. ومازلنا نلعن الظلام ومازال الحق على الطليان!