تستعد تركيا للاحتفال بمرور 700 عام على قيام الدولة العثمانية. من يزور تركيا اليوم يلحظ انها تعيش على هذه التركة العثمانية, في كل بقعة منها, بقايا من تاريخ هذه الامبراطورية العظيمة, والسواح الذين لا ينقطعون عنها صيفا وشتاء يأتون اليها من كل بقاع الدنيا بهدف رؤية هذه الحضارة الشامخة الصامدة منذ مئات السنين. المساجد ابرز مكونات هذه الحضارة وبقاياها, في كل شبر من تركيا اليوم يقف مسجد اثري يحمل اسم سلطان او زوجة سلطان او تاجر عثماني, هذه المساجد التي يزيد تعدادها على 200 مسجد معظمها يتشابه في هندسة الشكل الخارجي الذي ميز العمارة العثمانية, وتختلف المساجد في الحجم وفي الفن المعماري من الداخل, واشهرها جامع السلطان احمد او الجامع الازرق الذي اشتهر بسيراميكه ذي اللون الازرق, يحمل هذا المسجد ست منارات وقد يكون الوحيد في العالم الذي يحمل هذا العدد من المنارات, وهو تحفة فنية نادرة في دقة وجماليات البناء الخارجي وشكل القباب والمحراب ونوعية المرمر والفسيفساء وكتابات الزخارف من الداخل بالقرب منه (آيا صوفيا) الذي كان عبارة عن كنيسة بيزنطية فحولها السلطان العثماني محمد الفاتح الى جامع, وتحول بعد زوال الدولة العثمانية الى مجرد مزار. زائر المساجد العثمانية يجد انها تكاد تكون مدينة متكاملة قائمة بذاتها, فقرب المسجد تجد اماكن للوضوء والاستحمام ومكتبة ومدرسة وحدائق واستراحات واسواقا فحركة الناس وسكنهم يتحددان بالمكان الذي يبنى فيه المسجد. ومدينة المساجد اسطنبول يميزها كذلك كثرة المتاحف التي تصور تاريخ هذه الامبراطورية وتحفظ ما تبقى من ارث ملموس للدولة العثمانية. اضخم هذه المتاحف (طوب قابي سراي) الذي تمر قبل الولوج اليه بأربع حدائق ضخمة تحيط به, داخل القصر تتعرف على التطور الذي وصلت اليه الدولة في ذلك العصر, من دار لسك النقود وعربة السلطان المذهبة وصناعة السيوف والبنادق وتتعرف ايضا على حياة الترف والبذخ التي كان يعيشها السلطان في اتساع وتنوع تصاميم جوانب القصر, ففي مسكن حريم السلطان مثلا هناك 400 غرفة عدا الحمامات والاماكن المخصصة للجواري والخدم, كذلك تشعر بهذه الرفاهية في نوعية الملبس المعروض الذي كان يرتديه السلطان وعائلته والاطباق التي كانوا يستخدمونها والسجاد الذي يفترشونه وتشعر ايضا بجو ايماني يسكن القصر, بوجود المسجد وفي بروز آيات قرآنية محفورة في مختلف مباني القصر وكذلك في المكان المخصص لقراءة القرآن, ففي احد جوانب القصر هناك زاوية مخصصة لقاريء لا ينقطع صوته ليل نهار يوميا على مدار العام. قصر (دولمة باغجة) الذي يطل على البسفور هو الآخر آية تشهد على حضارة الدولة العثمانية وآثار عديدة من عمدان ومسلات واسواق تشهدها في جوانب اسطنبول, متاحف وقصور لا تعوض ولا تقدر بثمن, ومساجد شامخة تحمل آيات وتحكي تاريخا مجيدا, هذه الثروة التاريخية التي لا توجد في أي بلد آخر من العالم والتي تخصنا نحن العرب والمسلمين في المقام الاول, تحتاج منا الى زيارات, الى تأمل ودراسة تتطلب ان نبحث في رحلتنا الى تركيا عن الفسحة والخضرة والهواء... وعن رائحة التاريخ ايضا.