19/3/98افطار مطعم الفندق بوفيه محدود لا يتعدى البيض والأجبان والكورن فليكس والخبز والمربى, معظم الطاعمين سياح جاءوا للتمتع بمشاهدة آثار وفنون مدينة فلورنسا . توجهت عبر الأزقة التي أمام الفندق إلى متحف (بارجيلو) . عمارة هذا المتحف متقشفة وقد بدأ بناؤه في القرن الثالث عشر و (البارجيلو) هو لقب المسؤول الذي يعينه مجلس (اللوردات) ومهمته المحافظة على الأمن, وهو في العادة من غير مواطني فلورنسا. ويفتخر أهل فلورنسا ان مدينتهم عرفت أول أشكال الحكم الديمقراطي في الغرب. و استخدم هذا البناء كمقر للبلدية ثم كمركز للحكم وبعد ذلك تحول إلى سجن, وكان المجرمون يعدمون فيه وأحيانا يشنقون من فوق جدرانه العالية. ومن أشهر أولئك المشنوقين (برناردو بارونسيلي) لاشتراكه في مؤامرة (بازي) والتي حاول فيها بعض المتآمرين اغتيال (لورنزو) و (جوليانو) حفيدا كوزيمو مديتشي حاكم فلورنسا القوي السابق. أقامت عائلة مديتشي حفلة تكريم لعائلة (بازي) التي كانت تعد العدة للغدر بمضيفيها وبعد الحفلة توجه الجميع إلى الكاتدرائية وأثناء القداس هجم المتآمرون من عائلة بازي وأتباعهم على الأخوين مديتشي فقتلوا (جوليانو) على الفور أما (لورنزو) فقاوم وكافح حتى تمكن من دخول حرم الكنيسة الداخلي وأغلق الباب الضخم في وجه مهاجميه. ثارت الجماهير الفلورنسية بسبب هذا الغدر الواضح فهجمت على المتآمرين ومزقت بعضهم اربا اربا أما البعض الآخر فقد شنقوا من نوافذ قصر (فيكيو) وأحد هؤلاء المتآمرين وهو (برناردو بارونسيلي) تمكن من الهرب إلى القسطنطينية ولكن ألقي القبض عليه وأرجعوه إلى فلورنسا حيث علق مشنوقا من فوق أسوار بناء (البارجيلو) , وقد خلد الفنان الكبير (ليوناردو دافنشي) هذا الحدث الدرامي في رسمه الشهير لذلك المتآمر المشنوق البائس. في عام 1786 أخلي (البارجيلو) من أدوات التعذيب التي كانت تستخدم في القرون الماضية بواسطة زبانية محاكم التفتيش ضد أعداء البابا والكنيسة الكاثوليكية وأحرقت هذه الآلات في احتفال عام. عمارة البناء من نماذج العمارة القوطية القليلة الباقية في فلورنسا والتي صمدت في وجه التغيير المعماري الكبير الذي حدث في عصر النهضة. بناية (البارجيلو) حولت منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى متحف يحتوي على نماذج من أحلى المنحوتات التي أبدعتها عبقرية فناني فلورنسا في عصر الرينسانس. في الحجرة الأولى على يمين المدخل توجد أعمال عظيمة لفن النحت في القرن السادس عشر, أولها تمثال لشاب ثمل يصور (باخوس) إله الخمر عند الرومان للفنان الكبير (مايكل أنجلو) الذي أنجزه عام 1497 عندما كان عمره 22 سنة بعد زيارته لروما وتأثره بأعمال النحت الكلاسيكية هنالك وبالاضافة إلى ذلك التمثال هنالك أعمال أخرى في تلك الغرفة لذلك الفنان الكبير وهي تمثال (بروتوس) صديق (يوليوس قيصر) الذي استغرب من مشاركته في اغتياله بجملته الشهيرة (حتى أنت يا بروتس) وتمثال (داوود ـ أبولو) الذي نحته بعد استسلام فلورنسا (1530 ــ 1532) وتمثال البيتي توندو للعذراء والطفل ويوحنا المعمدان. ومن الأعمال الفنية الجميلة في تلك الحجرة: تمثال (نرجس) للفنان سيليني وهو فتى جميل شاهد صورته في الماء فعشق نفسه كما تقول الأسطورة, وتمثال (ميركوري) رسول آلهة الأوليمب وهو من ابداع الفنان (جيامبولونا) , وتمثال (أدونيس المحتضر) للفنان (روسي) , وتمثال (ليدا والبجعة) للفنان (أماناتي) . وفي الطابق الأول هنالك ممر يطل على الشرفة وفيه مجموعة من التماثيل البديعة لطيور متعددة الأشكال من ابداع الفنان (جيامبولونا) : نسر ذهبي, بومة, ديك رومي, ديك صغير, صقر, باز, طاووس, طائر التدرج. وقد نفذها في عام 1567 لفرانسيس الأول. في الطابق نفسه توجد حجرة الفنان (دوناتيلو) وفيها مجموعة من أعماله البديعة ومن أبرزها تمثال (داوود) الذي يعتقد انه أنجزه بأمر من (كوزيمو مديشي الأكبر) وهو أول تمثال حر الحركة نحت في أوروبا منذ أيام المرحلة الكلاسيكية وكان ثورة ضد التقاليد الفنية القوطية, ويقف داوود ممسكا بسيف في يده اليمنى وبحجر في يده اليسرى ويدوس على رأس جالوت تحت قدميه ويعتمر خوذة مكللة بالغار وله ابتسامة شفافة ووضعيته مسترخية. و هنالك تمثال آخر لدوناتيلو يمثل (داوود) ولكنه من الرخام وهو على الرغم من جماله إلا انه كان وفيا للتقاليد القوطية, وهنالك أيضا مجموعة من الأعمال الدينية المسيحية الجميلة تصور العذراء والطفل للفنان (لوقا ديللاروبيا) . وقد اشتهر هذا الفنان وأسرته بصناعة تماثيل الطين المحروق التي طليت بالمينا وكان ذلك الفنان قد اكتشف تلك التقنية مستخدما مزيجا من الزجاج المصهور وأوكسيد الرصاص, وقد أكتسبت تلك التماثيل شهرة كبيرة في القرن الخامس عشر وهي تمثل منحوتات بارزة ملونة في لوحات بأشكال رقيقة وابتسامات عذبة وألوان زرقاء فاتنة ومختلف تشكيلات الزهور والورود والفواكه, وقد خصصت غرفة أخرى لأعمال أسرة (ديللا روبيا) المتعددة والمتنوعة. ويوجد في متحف (البارجيلو) غرفة للفن الإسلامي فيها نماذج محدودة ورائعة من الفنون الاسلامية مثل أعمال البرونز والعاج والنحاس والسجاد والزجاج والبورسلان وغيرها من مختلف المراحل التاريخية في الأندلس ومصر وفارس وتركيا وسوريا. وتتوزع في باقي ممرات وحجر متحف (البارجيلو) نماذج عديدة لفن النحت الديني و الدنيوي الذي تميز بابداعه فنانو عصر النهضة, وكل عمل من تلك الأعمال له خصوصيته المميزة وجماليته البديعة ومن أشهر تلك الأعمال : تمثال (داوود) للفنان (أندريه ديل فيروكيو) , وتمثال (هرقل وأنطاس) للفنان (بولايولو) , وتمثال (سيدة تحمل باقة زهر صغيرة) للفنان (أندريه ديل فيروكيو) ويعتقد ان الفنان الكبير (ليوناردو دافنشي) الذي تتلمذ على يد (فيروكيو) كان هو الذي نحت اليدين وباقة الزهر!! في المساء تعشيت في مطعم (داوود) للمرة الثانية, على يمين الطاولة التي كنت أجلس إليها جلست ثلاث فتيات أمريكيات مع شاب أمريكي, تحدثوا عن فرقة (سبايس جيلرز) وقالت احداهن ان موسيقى تلك الفرقة لا تصلح إلا للأطفال دون سن العاشرة!!, وذكرت الثانية أن أمها يهودية وأبيها مسيحي, وهي تحتفل بأعياد الديانتين معا, وعندما تتزوج في المستقبل لا مانع لديها من اتباع دين زوجها, وتحدثت الثالثة عن طرائف الغزل بين شباب وشابات الكلية التي تدرس فيها!! قبل النوم قرأت في كتاب (المفكرة الريفية) للأديب اللبناني أمين نخلة, ما أجمل نثره عندما يتكلم عن دروب الريف اللبناني برومانسية عذبة فيقول: (الدرب في الريف غير الدرب في المدينة! فهي التي تنهض من وهدة إلى ربوة, وتدور من خلف شجرة, وتعرج على عين ماء وتتوقف في ظل حائط, وتنطرح على باب بيت ـ تمشي على هواها, والدرب في المدينة تمشي في خط مستقيم... والدرب في الريف بيضاء, تتلوى في خضرة , وهي في المدينة سوداء فاحمة, يعوزها الشجر على الجانبين, لتأنس بعض الأنس, فوق ذلك السواد الطويل! وعلى دروب الريف تعرف عابر السبيل من وقع خطوه, وعلى رصفات الشوارع تتشابه الأقدام, جميعا, في الحركة, وكل درب الريف قديم, فيقال عندنا: فلان حول دربه عنا ــ يعنون انه غير عهده, أو يقولون: فلان حول الدرب إلى جهة كذا ــ يعنون انه غير معالم الحد, وخرج على القانون.. لذلك تجد الدروب الريفية محطات للتذكر: فهاهنا زفت عروس, وهنالك خرجوا بنعش, وهنالك وقفوا, ولوحوا بالمناديل...) وللرحلة بقية.