عواصف من المشاعر يثيرها هذا الشريط الحديث الذي يضم اغنيات فيلم مضى على انتاجه نصف قرن, ورحل أبطاله جميعا, ومع ذلك فإن شطارة المنتج التاجر جعلت من الشريط الجديد القديم حدثا فنيا يستدعي الذكريات... وما أكثرها . الفيلم هو (غزل البنات) أجمل الافلام الغنائية العربية, والشريط يضم اغنيات الفيلم التي شدت بها سيدة الافلام الغنائية ليلى مراد, ومعها (عاشق الروح) لعبدالوهاب. أما المفاجأة فهي صوت عبدالوهاب وهو يقدم اغنيات الفيلم التي لحنها جميعا ويشرح الظروف التي سجلت فيها ومواطن الجمال التي ميزتها والتي جعلت هذه الاغنيات تعيش حتى الآن. وشطارة منتج الشريط الجديد لا يمكن مقارنتها بشطارة منتج الفيلم ومخرجه (أنور وجدي) وذلك الذي قيل عنه انه يلمس التراب ــ في دنيا الفن ــ فيتحول الى ذهب وفلوس وأرصدة في البنوك. كانت فكرة الفيلم الاساسية هي الجمع بين اجمل مطربات الشاشة البيضاء ليلى مراد في عز تألقها, مع عبقري الكوميديا نجيب الريحاني. لكن أنور وجدي لم يكتف بذلك, بل حشد للفيلم كل عناصر النجاح, أقنع عبدالوهاب بتلحين اغنيات الفيلم وأفهمه انه سيكون شريكا في الفيلم ثم تراجع عن حكاية (الشراكة) بعد نجاح الفيلم الهائل. وأقنع عميد الممثلين يوسف وهبي بالظهور كضيف شرف في الفيلم, وعندما طلب يوسف وهبي مبلغا كبيرا ــ بلغة تلك الايام طبعا ــ وافق على الفور, فالمهم ان يظهر يوسف وهبي ليكون الفيلم لقاء بين عمالقة الغناء والكوميديا والتراجيديا. وعندما رحل نجيب الريحاني قبل انتهاء العمل في الفيلم, استطاع الشاطر انور وجدي اقناع عبدالوهاب بأن يغني (عاشق الروح) ليسد الفراغ الذي نشأ, وكان ذلك عنصرا آخر من عناصر نجاح الفيلم. وبقدر ما أمتع الفيلم الجماهير, فإن أبطاله لم يستمتعوا كثيرا بالنجاح. الريحاني رحل اثناء تصوير الفيلم وبعد ان غنى مع ليلى مراد (عيني بترف) وأنور وجدي طلق ليلى مراد وتزوج من ليلى فوزي ثم رحل في عز شبابه, أما ليلى فقد اضطربت حياتها الفنية والشخصية سنوات قليلة ثم اعتزلت. وأما عبدالوهاب فقد دخل المحاكم وكان (غزل البنات) وأغانيه ضمن عريضة الاتهام. كان عبدالوهاب قد تبنى فنيا في تلك الفترة شابا موهوبا يمت بصلة قرابة لزوجته وأم اولاده اقبال نصار, وتوطدت العلاقة بين عبدالوهاب وبين الشاب الفنان رءوف ذهني الذي اصبح اشبه بالسكرتير الخاص للموسيقار الكبير. وكافأه عبدالوهاب بأن اعطاه خمسة الحان سجلها للاذاعة ولكنه لم ينجح كمطرب ولم تفلح الحان عبدالوهاب في وضعه على الخريطة الغنائية. واتجه رءوف ذهني بعد ذلك الى التلحين, ومع اعلان استقلاله الفني بدأت المتاعب بينه وبين عبدالوهاب, وبدأت سلسلة من الخصام والصلح بين الاثنين, كان اساسها ادعاء رءوف ذهني انه الملحن الحقيقي لعدد كبير من الاغنيات التي نسبت لعبدالوهاب ومن بينها اغاني ليلى مراد في فيلم (غزل البنات) وأشهرها (الحب الجميل) و(اتمخطري واتمايلي يا خيل) و(عيني بترف) . ووصل الامر الى القضاء, ثم تم الصلح بعد تدخل اهل الخير, ولكن الأمر ظل مضطربا بين الاثنين, وعلى مدى سنوات كان رءوف ذهني يثور ثم يهدأ بعد ترضيته ماليا وأدبيا. ثم افترق الاثنان وقدم رءوف ذهني الحانا عديدة لكل المطربين اللامعين, بل ولحن لبليغ حمدي اغنية واحدة غناها بليغ قبل ان يتحول هو الآخر للتلحين. وقد رحل رءوف ذهني عام 1985, ولكن (المشاغبة) لعبدالوهاب انتقلت الى ارملة رءوف التي لجأت هي الأخرى للقضاء, وأخيرا تمت تسوية الموقف وترضيتها ووقعت على اقرار بالتنازل عن اي ادعاءات بهذا الشأن. ومع ذلك فإن القضية لم تهدأ, ومازال البعض ــ مثل المؤرخ الموسيقي عبدالحميد توفيق زكي ــ يرددها كما فعل في كتاب أخير صدر له عن هيئة الكتاب في مصر. والسؤال المنطقي هو: اذا كان رءوف ذهني هو الجندي المجهول وراء عدد من الحان عبدالوهاب الجميلة, فلماذا لم يحقق مثل هذا النجاح من خلال اكثر من 200 اغنية لحنها باسمه ولم تشتهر منها الا اغنيات قليلة؟ الأقرب للواقع ان عبدالوهاب كان يستعين برءوف ذهني وأمثاله في امر هام وهو تنشيط خلايا الابداع عنده, بأن يستمع لهم ويتابع ما تجود به مواهبهم. وقد يجد عبدالوهاب خاطرا موسيقيا قد لا ينتبه له امثال رءوف ذهني, لكن عبدالوهاب بخبرته وبأذنه المدربة يدرك قيمة هذا الخاطر, ويبدأ في التعامل معه. أمر آخر قد يستعين عبدالوهاب فيه بأمثال رءوف ذهني وهو (تشطيب) الألحان, وهو امر شائع في الوسط الموسيقي, حيث يترك الملحن لمساعديه مهمة (تربيط) بعض الجمل الموسيقية, ثم تحفيظ اللحن للموسيقيين وكتابته على النوتة الموسيقية. ودليل ذلك ان في معظم الحان رءوف ذهني التي اذيعت باسمه جملا موسيقية غاية في الجمال, ولكنه لا يعرف كيف يستغلها خير استغلال, وبذلك تضيع المناطق الجميلة في اللحن وسط المناطق العادية أو الاقل من العادية. أما عبدالوهاب فيعرف كيف يبرز مناطق الجمال في الحانه, وكيف يستفيد من الجملة الموسيقية الجميلة والمبتكرة, ويضع لها (البرواز) الذي تتألق فيه وتزداد جمالا. ومشكلة عبدالوهاب في رأيي هي ضعفه الشديد امام الجملة الموسيقية الحلوة, فإذا استمع لها وأعجبته سيطرت عليه تماما, ولم يعد هناك حل الا بإعادة انتاجها بالصورة التي تليق به وبجمال الجملة الموسيقية نفسها. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي في كثرة الاقتباسات التي قام بها من الموسيقى الغربية أو العربية, والتي استطاع توظيفها بشكل باهر في اغنيات جميلة وألحان ذائعة. وكان عبدالوهاب يدرك في معظم هذه الاقتباسات ان الناس ستعرف ما اقتبسه خاصة اذا كان من فنانين مشهورين مثل بيتهوفن أو سيد درويش, ولم يكن ذلك يسبب له مشكلة. فهو لا يخفي الاقتباس ويعتبره شيئا مشروعا. والناس تقبل منه ذلك لأنها تعلم انه قادر على انتاج الحان لا تقل جمالا بدون اقتباس, وأن ما يفعله في كل الاحوال جميل ويستحق الاستماع له والاستمتاع به. وكان انصار عبدالوهاب يعتبرون ما يفعله الموسيقار الكبير مجرد رغبة في التجديد, والاستفادة من الموسيقى الغربية ومزاياها, والألحان العربية القديمة وجمالها. ومع ذلك فقد كان هؤلاء الــ (أنصار) يفاجأون احيانا بما يشيعه المنتقدون لهذا الاسلوب من ان الامر يتجاوز احيانا حد الاقتباس حين يخضع عبدالوهاب لنزواته الفنية ويدلل هؤلاء المنتقدون على ما يقولونه بحكايات كثيرة منها حكاية لحن (البوسطجية) الشهير, حيث كان عبدالوهاب ينتج فيلما من بطولة المطربة رجاء عبده, وكان الفيلم على وشك الانتهاء حين طلب عبدالوهاب اضافة اغنية جديدة للفيلم... وقد كان, وتم تسجيل اللحن وتصويره, لتصبح (البوسطجية اشتكوا) انجح اغنيات الفيلم وأكثر اغنيات بطلة الفيلم شهرة. وعندما سمع الملحن الكبير محمود الشريف الاغنية ادرك انها مأخوذة من لحن له, واتصل بعبدالوهاب الذي رد على الفور ضاحكا: أيوه يا محمود يا حبيبي. المهم غنوتك نجحت وكسرت الدنيا, وغنوتي نجحت وكسرت الدنيا, يبقى ليه الزعل؟ ... والغريب ان المكالمة انتهت والاثنان على مودة! نفس الشيء حدث ــ كما يقول المنتقدون ــ مع الملحن محمد الموجي في بداياته. ذهب لعبدالوهاب ليسمع انتاجه الجديد, وعزف الموجي وغنى لحنين جديدين, وأبدى عبدالوهاب اعجابه وقام على الفور يستدعي المطربة الكبيرة ليلى مراد لتغني أحد اللحنين. اما اللحن الآخر فقد سمعه الموجي من الاذاعة بعد ايام بصوت عبدالوهاب, مع بعض التعديل, وبكلام جديد تم تركيبه ليصبح اغنية (أحبك وأنت فاكرني) ... ومع ذلك لم يغضب الموجي, وظل حتى آخر العمر يذكر فضل استاذه الروحي عبدالوهاب عليه وعلى الموسيقى العربية. بل وكثيرا ما ساعد التلميذ الاستاذ في ضبط وتربيط بعض الالحان... وهذا بعض سر عبدالوهاب! والمهم انه مع الشريط الجديد لأغنيات (غزل البنات) الجميلة, عادت الحياة فجأة ــ وبقدرة قادر ــ حكاية رءوف ذهني وادعائه بأنه الملحن الحقيقي لمعظم هذه الاغنيات. وعاد الحديث في الاوساط الفنية عن (اقتباسات) عبدالوهاب الشهيرة وغير الشهيرة. وأظن ان الجدل حول هذه القضية سيستمر طويلا, وسيعبر عبدالوهاب المشكلة بأمان هذه المرة, ولكن ذلك لن يكون الكلمة النهائية في هذه القضية. وستظل قامة عبدالوهاب عالية في سماء الموسيقى العربية, ولكن ذلك لن يمنع الجدل حوله... خاصة وانه عاش طوال حياته الفنية طفلا مدللا من الجميع. ومثل كل الاطفال المدللين كان عبدالوهاب لا ينظر الى ما يملكه وهو كثير ورائع, وينظر دائما الى ما في ايدي الآخرين مهما كان قليلا. و... اقرأ هذا الكلام ثم لا تتردد في نسيانه, واستمع الى روائع عبدالوهاب بكل المتعة, ولا تسأل نفسك: كيف؟ ولماذا؟ ومن؟ ... فالابداع الجميل يأسر الناس (من غير ليه) !!!