اذكر عندما أطلق السوفييت أول قمر صناعي إلى الفضاء وكيف انه كان الموضوع الأول في وسائل الإعلام , وكان إذا قابل أحدنا صاحبه بدأه بالسلام ثم أخذ يتحدث معه عن هذا القمر. وكيف أنها معجزة لابد من أن تتلوها أخرى, وأذكر أنني كنت آنئذ في زيارة لقريتي, وبالطبع تحدثنا في الموضوع الذي يشغل الجميع وهو القمر الروسي. وانحنى حكيم من حكماء القرية إلى الأمام, وهي إشارة إلى انه يريد أن يتكلم, وحكماء القرية أحياناً لايجيدون القراءة والكتابة, لكنهم يملكون من (الثقافة) الكثير, المهم أن صاحبنا هذا قال: - يا جماعة هل صدقتم هذه الأكذوبة, الطائرة فهمناها أما قمر يصنعونه ويرسلونه إلى الفضاء فهذا هو الجنون بعينه, تسألونني وكيف صدق الناس؟ بل وقد يسألني أحدكم كيف صدق الأمريكان الخبر, وتحدثوا فيه وهم أعداء الروس, ألم تكن فرصة لكي يكشفوا كذبهم؟! والتفسير بسيط جداً, وهو أن الروس أرادوا أن يتباهوا بشيء ما فقالوا لقد أرسلنا قمراً صناعياً إلى الفضاء. وبلعها الأمريكان لحكمة فبعد عدة شهور سيعلن الأمريكان أنهم أرسلوا خمسة أقمار إلى الفضاء, ويرد الروس بأنهم أرسلوا سبعة وهكذا إنها كذبة يشارك فيها الأعداء ليتباهوا أمامنا وبالطبع سخرنا من كلام الحكيم, وقلنا أنه ليس حكيماً, صحيح أن الأيام اثبتت أن الأمريكان دخلوا المنافسة مع الروس, لكن أن تكون كذبة بهذا الحجم فهذا مستحيل طبعاً. والغريب انني والذي كنت أكثر الحاضرين سخرية من كلام الحكيم, أحسست داخلي بعجز عن فهم موضوع هذا القمر الصناعي وعربدته في الفضاء الخارجي, لكنني لم أنطق حرفا عن أحاسيسي خوفاً من سخرية أصدقائي من أصحاب التكنولوجيا. وجاء بعد ذلك صعود الانسان الى أرض القمر, واستقبال المحطات الفضائية على الطبق, وكنت من أوائل الذين شاركوا في هذا لكنني ظللت أحس قدراً من الحيرة يقترب من الشك. وذات مرة اتصل بي الصديق محمد جاسم العلي لأتحدث عبر القمر الصناعي الى محطة قطر, وشاركت في اللعبة وأنا بين الشك واليقين, المذيعة في الدوحة لا أراها وتراني, والمهندس يتحدث مع القمر الصناعي في المعادي أو على الأصح محطته الأرضية وتابعت الأحاديث عن النيل سات .. وكأنني أتابع الأحاديث عن العنقاء, ولما تحدث المهندس عبد الرحمن حافظ أمين اتحاد الاذاعة والتلفزيون عن تجربة اطلاق (النيل سات) جلست اسمع وكأنني أسمع فعلاً السندباد أو الشاطر حسن, ويبدو ان الاسئلة التي وجهتها اليه كانت شديدة السذاجة, لأنه اتصل بي بعد عدة أيام, واقترح أن نذهب إلى المدينة الإعلامية في 6 أكتوبر لنرى كل شيء على الواقع. وسألته أغرب سؤال من الممكن أن يوجهه شخص, وهو: ماذا ألبس؟ طبعا كنت أعني هل أرتدي بدلة فضاء؟ هل ارتدي بدلة رياضية؟ هل لابد من قناع واق؟! والغريب ان عبد الرحمن حافظ لم يندهش للسؤال, وقال: ملابس خفيفة لأن اليوم حار, ولم تكن تلك إجابة على سؤالي, ولايمكن أن تكون كذلك فكيف يخطر على باله ما فكرت فيه؟! وكنت قد زرت المدينة الإعلامية مرتين في بعض المناسبات القومية, وفي هذه المناسبات يكون تأمل التفاصيل مستحيلاً, ولكن ها أنا حر من المناسبات, وأرتدي ملابس خفيفة! ودخلنا إلى مبنى التحكم في القمر, وهو مبنى ليس كبيراً جداً كما توقعت, ومن سوء حظي أنني لم أسجل ما رأيت وسمعت لأنني أريد أن أحكي لك بعضه, فلا أجد معلومات محددة, ولكن أنقل لك انطباعات, ولعلها تهمك أكثر من المعلومات. أول شيء حدث هو أنني كذبت حكيم القرية, فها هم مهندسون يتابعون القمر, ويسيطرون عليه, ويتحدثون عنه كما يتحدث شاب عن سيارة جاكوار امتلكها أخيراً. وتحس معهم بألم عندما يحدثونك عن القمر بعد إطلاقه, وكيف أعطاهم ظهره وبالتالي رفض اوامرهم, وأصبحت مهمتهم هي اعادة القمر إلى موقعه الطبيعي, وكيف ان محاولة هذا تكررت أكثر من مرة, حتى بدأ اليأس يسري بين مجموعة القمر الى ان اعادوا حساباتهم, وأرسلوا له ما جعله يعود إلى وضعه الطبيعي. أي والله كانوا يتحدثون عن القمر كما لو كان جهاز فيديو, أو سيارة, أو شيئاً من تلك التكنولوجية التي نمتلكها ومثلي لايفهم منها ألف باء. وأنا أكتب هذه السطور ليلة بدء القمر لممارسة مهامه, فالفترة السابقة كانت لإرسال القمر إلى الفضاء, والاطمئنان إلى وضعه في مساره, لكنه يكاد يكون مستحيلاً ان يصل إلى مساره من أول مرة: فهم يعودون به إلى المسار درجة أو درجات, ثم يضعون عليه المعلومات التي يريدونها, ولا تسألني عنها, فأنا لا أعرف ماهي هذه المعلومات؟ وعندما أسأل أحد المهندسين يجيب بتلخيص, وله الحق فأنا أهز رأسي كبندول الساعة, مما لايعرفون منه هل أنا فعلاً أفهم ما أسمع أم لا. وأفكر في حكيم قريتي الذي لم يصدق أن هناك أي قمر صناعي, ولكنني ها أنا في قلبه, مركز التحكم في (النيل سات) ولا أدري هل ما زال الحكيم على قيد الحياة أم توفي قبل أن يحضر مايحدث, وخطر على بالي ان اسأل عنه, فإذا كان على قيد الحياة اطلب دعوته لمشاهدة ما شاهدت. ولولا انني قمت بالزيارة في هذه الأيام لقتلتني الحسرة, فلقد تفجرت أخبار التفجيرات النووية في الباكستان بعد الهند, وبغض النظر عما قيل وهل من الممكن أن أكرره هنا, الا انني رأيت المسألة من وجهة نظر أخرى, فأنا سعيد لأن تدخل هذه الدول الى القوى النووية طالما ان اسرائيل دخلت إلى هذه القوى, ومن الجميل ان الباكستان اثبتت ان العولمة والنظام العالمي الجديد والامبريالية الجديدة والقطب الواحد, كل هذا عفاريت اخترعوها ليخيفونا عندما يهبط الليل, خرقت الباكستان القواعد, وفجرت القنابل النووية, وثارت أمريكا, لكن ثورة أضعف من ثورتها عندما ترى أحداً فينا وقد جلس على مقهى ووضع ساقاً على ساق. لقد بدت لنا امريكا دائما نمراً ثم اتضح انها من ورق كما كان سالف الذكر ماوتسي تونج يقول أو لعله هو شيء منه. وتسألني عن العلاقة بين القمر ذي الصفة الإعلامية, والانفجار ذي الصفة التدميرية, بالطبع ليس هناك علاقة, لكنني أراها في دخول قمة التكنولوجيا, فلن نستطيع أن نسيطر على وجودنا الا إذا امتلكنا قمة المعرفة الموجودة في زماننا. وكارثة إذا لم نفعل هذا, وكارثة إذا ناقشنا هذا, لان قطار الزمن لاينتظر أحداً حتى لو كان يناقش, اذا تأخرنا لحظات انطلق الى بعيد ولن ندركه أبداً. ولو انني كنت قريبا من وزراء التعليم العرب, لطلبت منهم ان يكون الزمن أحد المواد التي يدرسونها في المدارس, فنحن في حاجة لان نعرف الزمن ومعناه, واختلافه وربما كنت هنا المح الى نظرية النسبية, ولعلنا نعود اليه في الذكرى المئوية للدكتور مصطفى مشرفة منافس انشتاين في نظريته النسبية. ولكن الذي يصل لنا نحن الكتاب الفقراء الى الله شيء آخر, فزمان أي في عهد المماليك أو العباسيين عندما تتشاجر أختك مع زوجتك وتتهمها بانها تريد افلاسك ثم تسافر, كانت تحدث مشكلة, فغالب الامر انك لن تراها قبل عام أو اعوام, أما الآن فالهاتف وسيلة آنية لسؤال اختك عما حدث, فإذا كتبنا ان فلانة كانت كذا في عمل تاريخي, فلابد ان تمر شهور حتى نعرف ماحدث. أما الآن فالكون ملكنا! ولذلك نحن مقبلون على مرحلة تتأزم فيها الأعمال التاريخية أما لأن كتابتها ستزداد صعوبة, واما لأن المشاهد الذي يعيش ثورة الاتصالات سيجد صعوبة في تفهم هذا المجتمع الساكن الذي تتحرك فيه الأشياء ببطء شديد. بدأت هذه الزيارة التي حدثتك عنها في الرابعة ظهرا وانتهت في منتصف الليل, وبدأت بمركز التحكم في (النيل سات) الذي حدثتك عنه, ولعلك وجدت فيما أقول شيئًا ذا فائدة, ثم مدينة الملاهي وهي معنى كبير وعظيم. ولكنني لست خبيرا بهذه الأشياء بالضبط كالأقمار ـ ولا محبا لها. ثم الاستوديوهات وأماكن التصوير, يبدو أن الوزير صفوت الشريف رأى على وجهي علامات الذهول, فلم يعد يسألني عما أرى, فقد بدوت كطفل مندهش. وأنا لا أكذب أحداً خاصة عبد الرحمن حافظ, ومع ذلك ظللت اسمعه يتحدث عن بناء تسعة استوديوهات وعشرة مراكز تصوير دون أن استوعب الفكرة, فأنا من الذين عاشوا النشاط الدراسي مع ندرة الاستوديوهات, فكنا نسافر ثلاثين أو أربعين شخصاً إلى تونس أو أثينا أو بولندا أو لندن أو غيرها, لنطلب الإذن بتصوير عمل في استوديوهات لا تصلح لأي أعمال آدمية. المشكلة ان الساعات زادت الآن بنسبة فلكية, فكان لابد من زيادة الامكانيات. هذه الزيارة جعلتني اثني في قدرتنا على ان ننتج فناً عربياً جيداً وان المستقبل افضل. ولكن هذا جعلني أحس شيئًا غريباً مدهشاً لم يحدث لي من قبل, فلا أرى في حديثي أنني أعاني من شيء لكل هذا الثناء. ونتيجة هذا اما ان اذهب لطبيب, أو أعود إلى قريتي أبحث عن حكيمها!