«لم أحظ بقسط النوم بعد، لقد سهرت طوال الليل في غرفة المونتاج»، يقول المخرج التونسي الأسعد الوسلاتي في ختام لقاء جرى مع «البيان» عبر «زوم».

حديث صريح قد يدعو إلى الدهشة، لأن صاحب «حرقة» و«المايسترو»، تبدى على درجة عالية من التركيز واتقاد الفكر وفيض العاطفة، ما لا يتوفر، في العادة، لمن وصل العتمة بالضوء. لكن، هنا تحديداً، قد تتلخص موهبة المخرج الشاب الذي تجاوز ذيوع نجاحه الجغرافيا التونسية في هذا الموسم الرمضاني، مع نجاح ساحق حققه مسلسله «حرقة» وصلت أصداؤه إلى المشاهد العربي، وامتدت إلى «الضفة الأخرى»، إذ تلقى اتصالات من كبريات الشاشات الأوروبية العارضة والمنتجة في فرنسا وإيطاليا للتفاوض على عرض نسخ مدبلجة من المسلسل.

للعام الثاني على التوالي، ومع فريق تجاوز عدده 130 ممثلاً جسّدوا سيناريو «توأمه» الكتابي عماد عبد الحكيم، يفتح الوسلاتي جرحاً تونسياً وعربياً، لكنه في الصلب يمس كل البشر في كل مكان: رمي الروح في فوهة محيط الهجرات المالح إلى ضفاف لا تمنح (بالضرورة) فراديس الحياة بل نيران الغربة وامتهان الكرامة والإنسانية. إنها قصة الإنسان الذي «تخلت عنه بلاده فتخلى عنها»، وتوهم أن «الحياة في مكان آخر» (كما يفتي ميلان كونديرا) ليكتشف أن الأمر أكثر تعقيداً وخطورة من افتراض السلامة والرخاء في الهروب.

هذه ليست المرة الوحيدة التي يخوض فيها الوسلاتي، الآتي من تجارب ناجحة في سينما الأفلام الوثائقية، حاملاً كشافه، وسط عتمة القضايا. لقد سبق وأدى عمله الدرامي «المايسترو» (2019) إلى تسليط الضوء على شريحة الأطفال «المجرمين» نازلي مراكز الإصلاحيات، وألهمت مشاهدهم وهم يقدمون عملاً فنياً على مسرح السجن في ختام العمل، الحكومة من أجل أن تزيد من دعم نشاطات وتأهيل النزلاء. يبدو الوسلاتي واثقاً من النهج الفني الذي اختاره لنفسه على الساحة التونسية والعربية: «أريد أن أكون قريباً من القضايا الواقعية التي تمس الناس. أن أطرح الأسئلة وأفتح النقاش وأسهم، إن تمكنت، بأي تغيير إيجابي»، يقول معلناً عن إحساس إنساني مسالم لرجل يجهد، بالفعل، لمد جسوره بين.. العتمة والنور!