باتريس فيرميت هو مصمم الإنتاج المرشح لجائزة الأوسكار عن فيلم «الكثبان»، الفيلم الذي تم تصويره في أبوظبي والأردن لتجسيد عالم الخيال العلمي في الصحاري، «أراكيس».
يقر النقاد أن ميزة خاصة في هذا الفيلم تكمن في استفادة فيرميت من تصميم مواقع التصوير لتأسيس عناصر من الخيال العلمي، ما يجعله يستحق أوسكار.
وفي حبكة فيلم كتاب «الكثبان» للروائي فرانك هيربرت، يغادر الشاب بول اتريديس، والذي يمثل دوره تيموثي تشالامي، مدينة آراكين الآمنة نسبياً بعد محاولة اغتيال إلى صحراء مترامية الأطراف يسكنها شعب فريمن من السكان الأصليين الذين تعلموا البقاء على قيد الحياة في الصحراء عن طريق العيش داخل أنظمة كهوف داخل الجبال، وتجنب وحوش الديدان العملاقة بالسير على النتوءات الصخرية.
وقد شكل العثور على تلك النتوءات الصخرية تحدياً كبيراً للمخرج الفني، فهناك عدد قليل جداً من الدول التي تقدم تشكيلات صخرية مذهلة توحي بشخصية مميزة، حسب قوله. وقد توجه إلى وادي رم في الأردن، حيث تبدو الصخور أحياناً وكأن شيئاً ما قد كتب عليها، وهناك شعور أن شيئاً روحياً غريباً يحدث في المكان، بحضور تلك الصخور الضخمة. ومع ذلك، كان هناك شيء مفقود، وجود الصحراء بينها. لهذا بعد عثوره على الصخور في الأردن، جاب الكرة الأرضية لاستكشاف الصحاري بحثاً عن امتداد الرمال المناسب، برفقته المخرج دينيس فيلنوف الذي تعاون معه في فيلمي «بليد رنر 2049» و«أرايفل»، فوجد الكثبان في أبوظبي مطابقة تماماً للكثبان في الأردن.
قال فيرميت: «عندما وصلنا إلى أبوظبي قدنا السيارة في الكثبان الرملية ووصلنا إلى نقطة عالية، وهناك نظرنا إلى بعضنا بعضاً وقلنا «تماماً»، كانت السماء مائلة إلى البياض خلال ذلك الموسم، وكان المشهد دراماتيكياً للغاية، ليس مشهد بطاقة بريدية جميلة، فالخروج في الصحراء يعني الموت في غضون ساعتين، لكن هذا ما يجب أن تنقله الصحراء للمشاهد في الفيلم».
أقر فيرميت أن: «لا شيء رومانسياً في الكثبان، تلك لها شخصية خاصة في الفيلم، تمثل الموت، سواء موتها بعاصفة رملية أو موتها بفعل الحرارة». ومن الجو تبدو كأنها تموج مثل الماء دون أن تسخى بقطرة ماء واحدة».
بناء مدينة
وكان على المخرج الفني بناء مدينة استعمارية كبيرة على حافة تلك الصحراء مترامية الأطراف، لتجسيد مدينة آراكين، فقام بتصميم مبانيها باللون الرملي لنقل الإحساس بالواقعية والحجم والاضطهاد. لكن الأهم، كان لا بد من بنائها لتكون منطقية في عالم الخيال العملي حيث من المفترض أن تصل سرعة الرياح إلى 500 ميل في الساعة.
قال فيرميت: «من الواضح أنه لا يمكن الحصول على أي شيء في الهندسة المعمارية مستقيماً مع تلك الرياح، بل يجب وضع كل شيء بزاوية، لكي تجتاح الرياح المباني». وقد بلغت سماكة الجدران الحجرية لهذه المباني عدة أقدام، وهو ما يكشفه الفيلم بشكل عرضي عندما تفتح الأبواب وتغلق، تماماً كما في كهف.
هذا وقام المخرج فيلنوف بتصوير الأشخاص داخل المباني كشخصيات صغيرة في مساحات شاسعة، حيث أوضح فيرميت: «إنه حجم الإنسان في الصحراء واتساع الصحراء»، والنتيجة هي أنه حتى في الداخل، بدت أراكيس عالم متواضع. ومن أجل إظهار ذلك، يتطلب الأمر مجموعات مبان ذات ارتفاع غير عادي، وصلت إلى 30 قدماً أحياناً. ثم تم ملء الأسقف والجدران المفتوحة بنسيج مطاطي بلون الرمال. فكان التأثير تصوير الممثلين في مجموعات ضخمة غامرة ليس لها نهاية واضحة، حيث الضوء ينعكس بلون الرمال.
وعند النظر إلى الأفق، تظهر زقورات على شكل هرم في المدينة تشير إلى ثقافات بلاد ما بين النهرين وأمريكا الوسطى، إلى جانب الفلسفة الوحشية للخمسينيات. وكان المقصود أن تبدو كمجموعة من الزخارف المقدسة التي تم خلطها من قبل المستعمرين، فعائلة اتريديس مثل الأجيال التي سبقتها هبطت على هذا الكوكب وتخطط لتعدينه حتي يجف، مع إيلاء القليل من الاهتمام للثقافة المحلية.
وقد أوضح فيرميت: «كانت رسالة معمارية للسكان المحليين، لقد تم بناء شيء ضخم لإظهار القوة، وكأنهم يقولون لهم: لا تعبثوا معنا».
لكن عمارة تلك المدينة العظيمة تخفي أشياء أخرى، لأن عمالاً محليين شيدوا مبانيها وقصرها الواسع، فداخل القصر في غرفة نوم بول، تم زرع بضعة ألاعيب، ويوجد فوق سريره هذا الحجر الضخم الذي يمكن أن يسحقه، وهناك لوحات جدارية مصنوعة من رقائق الذهب مذهلة لا سيما تلك التي تصور الدودة الرملية، وهو نفس الحيوان الذي تخشاه القوى الاستعمارية ويعبده السكان المحليون.
ولكن من بين مجمل تحديات التصميم، كانت الدودة الرملية هي الأشد صعوبة، إذ تختبئ تلك الوحوش تحت السطح وتمتد بطول مئات الأقدام، وتبتلع معدات التعدين الصناعية كاملة، ومع ذلك، فإن شعب الفريمن يركبها أيضاً مثل قطارات عبر الصحراء.
ومن أجل تجسيدها، استعار فيرميت من المحيط وبدأ في التفكير بها مثل حيتان، وقد ساعدت الاهتزازات الصوتية في إزاحة الرمال لها للسباحة. وفي كثير من الأحيان يخرج الجزء العلوي من الدودة مثل زعنفة الحوت خارج المياه، ما يسهل ركوبها. وفي النهاية، فقد أثمرت جهوده لأن الدودة الرملية بدت كقوة حقيقية من قوى الطبيعة.


