الثقافة والدراما أعمدة الإبداع المشترك بين تركيا والإمارات

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يُنظر إلى الثقافة والفنون على أنهما من أشكال القوى الناعمة، التي تستغلها الدول لإحداث تقارب في ما بينها، ولتقديم نظرة خاصة عن مجتمعاتها وأفكارها وعاداتها وتقاليدها، فضلاً عن كونها تمثل عيناً للتعرف إلى طبيعة هذه المجتمعات، ولذا كانت الثقافة والدراما والخط العربي، بمقام أعمدة إبداعية جمعت الإمارات وتركيا على خط واحد، ففي الوقت الذي نجحت فيه الدراما التركية في التقريب بين الإمارات وتركيا، منذ اللحظة التي شقت فيها الدراما التركية طريقها نحو المنطقة العربية عموماً في 2007 عبر مسلسل «إكليل الورد»، لتفتح العيون على نوع جديد من الأعمال الفنية، التي أسهمت في تحسين العلاقات الإماراتية التركية، مدت الرواية والخط العربي جسوراً ثقافية قوية بين البلدين.

حضور قوي

لم يكن «إكليل الورد» العمل الدرامي التركي الوحيد الذي استقطب الأنظار، فقد تبعه في ذلك «نور» و«سنوات الضياع» و«العشق الممنوع»، ولكن «حريم السلطان» كان العمل الأكثر حضوراً وتألقاً في الساحة المحلية والعربية على حد سواء، بعد أن احتل مرتبة متقدمة على شاشات القنوات المحلية، وتحديداً القنوات التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، التي أدت دور الموزع الحصري لسلسلة «حريم السلطان».

الكاتب علي عبيد الهاملي، مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام يرى أن «المرحلة المقبلة ستشهد تطوراً ملحوظاً بين البلدين على المستوى الثقافي والفني»، ويقول لـ«البيان»: «بلا شك فإن المرحلة المقبلة من العلاقات الإماراتية التركية، التي توجتها زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتركيا في نوفمبر من العام الماضي، وتكملها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدولة الإمارات العربية المتحدة غداً، ستشهد تطوراً كبيراً لهذه العلاقات على المستوى الثقافي والفني. الأمر الذي سينعكس إيجاباً على العلاقات بين البلدين الشقيقين، إذا ما علمنا أن هذه العلاقات تدعم الجانب الإنساني الذي يكمل الجانب السياسي والاقتصادي والجوانب الأخرى للعلاقات بين الدول». علي عبيد أكد في حديثه أن «ثمة عوامل مشتركة بين البلدين تشكل أساساً للعلاقات الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية التركية، يشكل الدين أحدها».

عامل مشترك

وأضاف عبيد: «الدين الإسلامي يمثل عاملاً مشتركاً بين الدولتين، إذ يمد جسوراً قوية بين البلدين اللذين يستمدان ثقافتهما من الدين الإسلامي الحنيف»، ويضيف: «شكل اهتمام دولة الإمارات بالخط العربي ونبوغ الأتراك في هذا الفن الأصيل عاملاً مهماً من عوامل نشوء علاقة وطيدة بين البلدين، فكان حضور الخطاطين الأتراك قوياً في المعارض والمنتديات والمسابقات التي أقيمت على أرض الإمارات في العقود الماضية. وفي ندوة الثقافة والعلوم بدبي، التي تصدر عنها مجلة حروف عربية التي تعد المجلة الأولى، وربما الوحيدة الآن، التي تهتم بالخط العربي، تم نشر ملفات كثيرة عن أشهر الخطاطين الأتراك الذين تركوا بصمة في فن الخط العربي».

في تصريحه، ذهب علي عبيد ناحية الدراما والدور الذي أدته في تعميق العلاقات بين البلدين، إذ قال: «في مجال الدراما، احتلت المسلسلات التركية مكانة متقدمة بين المسلسلات التي ظهرت على شاشات قنوات التلفزيون الإماراتية»، منوهاً بالدور الذي أدته مؤسسة دبي للإعلام في الانتشار الواسع الذي حققه مسلسل «حريم السلطان» التركي، إذ كانت الموزع الحصري الوحيد له في العالم العربي، منذ أن تم عرضه المرة الأولى على شاشة «قناة دبي».

جسور قوية

«الإمارات دائماً تسعى إلى بناء جسور قوية مع الدول الأخرى ومن بينها تركيا»، هكذا عبر الكاتب هزاع الشحي عن نظرته للعلاقات الثقافية الإماراتية التركية. وواصل: «الاهتمام الإماراتي بهذا الجانب بلا شك يأتي نابعاً من الاهتمام بتعزيز روح التعاون وبناء علاقات اقتصادية وثقافية قوية مع تركيا، وهو ما يبث روح التآلف والتماسك في العلاقات ويقيم جسور الثقافة بين الطرفين، ولذلك انعكاسات إيجابية عديدة على المشهد العام»، وأكد الشحي أن ذلك أسهم في تعزيز عملية نقل الخبرات الثقافية والفنية بين البلدين، وهو ما يصب في مصلحة الدولتين. وقال: «بلا شك فإن تطور المشهد الثقافي بين الإمارات وتركيا، يسهم في صعود جيل ناضج ومتكامل ومتكاتف، نحو النهج الذي تتبناه الإمارات نحو دول العالم الأخرى، والمبني على ثقافة التسامح والعطاء والمحبة»، وأشار إلى أن السنوات الماضية شهدت تبادلاً ثقافياً وفنياً كبيراً بين الإمارات وتركيا، وهو ما أسهم في بناء أسس قوية للعلاقات بين الطرفين، مبيناً أن ذلك يسهم في تعزيز الخبرات في الجوانب الثقافية والفنية، ويسهم في توسيعها.

قاعدة جماهيرية

واقعياً، استطاعت الدراما التركية أن تبني لها قاعدة جماهيرية واسعة، سواء على مستوى الإمارات أو المنطقة العربية، وهو ما يثبته توالي الأعمال الدرامية التركية على الشاشات المحلية والعربية، إذ تشير بعض التقارير التي أصدرتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في 2016 إلى أن الدراما التركية استطاعت أن تتمدد إلى 140 دولة في العالم، وأن عدد متابعيها قد تجاوز 400 مليون مشاهد.

العلاقات بين البلدين على المستوى الثقافي لم تكن أقل وهجاً، فقد شهدت السنوات الماضية، احتفاءً ملحوظاً بالإنتاج الأدبي التركي، بشكليه الكلاسيكي والمعاصر، وتمثل ذلك بالخطوة التي مضت بها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، نحو ترجمة بعض الإصدارات الأدبية التركية، وذلك من خلال مشروع «كلمة»، إذ أسهم ذلك في تعزيز العلاقات الثقافية المشتركة بين البلدين، وتضمنت المجموعة التي ترجمها مشروع «كلمة» كتابين للكاتب التركي سرقان أوزبورون، صاحب الأعمال الروائية التي لاقت نجاحاً، ومنها الرواية التي قدمها «كلمة» «مقهى الباب العالي»، والثاني هو «إسطنبول بيت الخيال»، كما لم يغض المشروع طرفه عن فن القصة القصيرة الذي أبدع فيه كتاب أتراك كثيرون. الأمر ذاته، انسحب أيضاً على فنون الخط العربي، الذي اهتمت به الإمارات كثيراً، إذ أفردت له مساحة واسعة في معارضها، التي لم يغب عنها الخطاط التركي، الذي يتم التعامل معه بما يليق بالفنانين المبدعين، وما يستحقونه من تقدير.

طباعة Email