حكاية «حياة».. حياة الفهد إرث فني خالد أسس هوية الدراما الخليجية

توفيت صباح اليوم الثلاثاء الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد، الملقبة بـ"سيدة الشاشة الخليجية"، عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد معاناة مع المرض، لتُطوى بذلك صفحة واحدة من أبرز وأطول المسيرات الفنية في تاريخ الدراما الخليجية، امتدت لأكثر من ستين عاماً من العطاء المتواصل في التلفزيون والمسرح والإذاعة والسينما.

وأعلنت مؤسسة الفهد للإنتاج الفني نبأ الوفاة عبر حسابها الرسمي على «إنستغرام»، في بيان نعي قالت فيه: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد، التي وافتها المنية بعد معاناة مع المرض، إثر مسيرة حافلة بالعطاء الفني والإنساني».

وأضاف البيان أن الراحلة «كانت رمزاً من رموز الدراما الخليجية، وتركت إرثاً فنياً خالداً سيبقى في ذاكرة الأجيال».

وُلدت حياة الفهد في 18 أبريل 1948 في منطقة الشرق بالعاصمة الكويتية، ثم انتقلت مع أسرتها إلى منطقة المرقاب في سن الخامسة بعد وفاة والدها، ولم تُكمل تعليمها الابتدائي، إلا أنها اعتمدت على نفسها في التعلم، حيث أتقنت القراءة والكتابة بالعربية والإنجليزية، وهو ما أسهم لاحقاً في صقل شخصيتها الفنية والثقافية.

الانطلاقة الفنية من التمثيل والإذاعة

بدأت ملامح دخولها إلى عالم الفن في ستينات القرن الماضي، حين التقت الفنان أبو جسوم أثناء عملها في المستشفى، ليتم اكتشاف موهبتها الفنية، وكانت بدايتها الأولى على الشاشة من خلال مسلسل «عائلة بو جسوم» عام 1964، كما ظهرت مبكراً على خشبة المسرح في عمل «الضحية» عام 1963.

وفي موازاة ذلك، خاضت تجربة إعلامية مبكرة، حيث عملت مذيعة في إذاعة الكويت بين عامي 1965 و1968، وقدمت خلالها برامج متنوعة، قبل أن تتجه بالكامل إلى التمثيل.

مسيرة درامية صنعت هوية الدراما الخليجية

على مدى عقود، أصبحت حياة الفهد واحدة من أهم ركائز الدراما الخليجية، وقدّمت عشرات الأعمال التي شكّلت علامات فارقة في تاريخ التلفزيون العربي، من أبرزها: «خالتي قماشة»، «رقية وسبيكة»، «جرح الزمن»، «عندما تغني الزهور»، «ثمن عمري»، و«سيدة البيت».

تميّزت الفهد بقدرتها على أداء أدوار مركبة تجمع بين الكوميديا والتراجيديا، ونجحت في تقديم شخصيات اجتماعية عكست واقع الأسرة الخليجية وتحولاتها، ما جعلها تحظى بجماهيرية واسعة داخل الكويت وخارجها.

كما شاركت في أعمال حديثة لاقت صدى واسعاً مثل «أم هارون» (2020)، و«مارغريت» (2021)، إلى جانب أعمال تراثية وتاريخية واجتماعية رسخت مكانتها كأحد أعمدة الدراما الخليجية.

ثنائيات فنية وإرث تمثيلي واسع

ارتبط اسم حياة الفهد بعدد من الثنائيات الفنية البارزة، أبرزها تعاونها الطويل مع الفنانة سعاد عبد الله، والذي أسفر عن أعمال خالدة مثل «خالتي قماشة» و«رقية وسبيكة» و«على الدنيا السلام»، كما شكلت ثنائيات ناجحة مع الفنان غانم الصالح في أعمال درامية ومسرحية عديدة.

وقدّمت عبر مسيرتها مئات الأعمال بين التلفزيون والمسرح والإذاعة والسينما، من بينها: «الطير والعاصفة»، «عائلة فوق تنور ساخن»، «الخراز»، «الفرية»، «طش ورش»، و«خرج ولم يعد»، إضافة إلى أفلام مثل «بس يا بحر» و«أوراق الخريف».

حياة الفهد مؤلفة وشاعرة إلى جانب التمثيل

لم تقتصر مسيرة الفهد على التمثيل فقط، إذ خاضت أيضاً تجربة الكتابة الدرامية، وشاركت في تأليف عدد من الأعمال التلفزيونية، كما أصدرت ديواناً شعرياً بعنوان «عتاب»، ما عزز حضورها كفنانة شاملة متعددة المواهب.

وعاشت حياة الفهد حياة شخصية هادئة نسبياً بعيدة عن الإعلام، حيث تزوجت مرتين، الأولى من الطبيب العراقي قصي الجلبي عام 1965، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة سوزان، قبل أن ينتهي الزواج بالانفصال بعد سنوات قليلة، ثم تزوجت لاحقاً من شخصية لبنانية تعمل في المجال الفني، وانتهى الزواج أيضاً بالانفصال، فيما فضّلت الراحلة عدم الخوض في تفاصيل حياتها الخاصة طوال مسيرتها.

المرض والسنوات الأخيرة

في الأشهر الأخيرة قبل وفاتها، تعرضت حياة الفهد لأزمة صحية نتيجة مضاعفات طبية أعقبت عملية قسطرة، ما أدى إلى إصابتها بجلطة دماغية استدعت إدخالها العناية المركزة في الكويت، ثم نقلها إلى لندن لتلقي العلاج وإعادة التأهيل.

وبحسب بيانات رسمية سابقة، فقد تقرر لاحقاً إعادتها إلى الكويت بعد عدم استجابة حالتها للعلاج في الخارج، حيث واصلت تلقي الرعاية الطبية تحت إشراف مكثف، مع منع الزيارات بناءً على توصيات الفريق الطبي، إلى أن وافتْها المنية صباح اليوم.

إرث فني وجوائز وتكريمات

خلال مسيرتها الطويلة، حصدت حياة الفهد عشرات الجوائز والتكريمات المحلية والعربية، من بينها جوائز دولية وتقديرية في مهرجانات خليجية وعربية، إضافة إلى تكريمات رسمية في الكويت ودول الخليج، تقديراً لإسهاماتها في تطوير الدراما الخليجية.

ويُنظر إلى الراحلة باعتبارها إحدى أكثر الفنانات تأثيراً في تاريخ الفن الخليجي، إذ ساهمت أعمالها في نقل الدراما الكويتية إلى مستويات عربية أوسع، ورسخت حضور المرأة في المشهد الفني والإبداعي.

نهاية مرحلة وبقاء إرث

برحيل حياة الفهد، يفقد الفن الخليجي أحد أبرز رموزه وأكثرها تأثيراً، فيما يبقى إرثها الفني الممتد عبر المسرح والتلفزيون شاهداً على مسيرة استثنائية صنعت خلالها اسماً من أبرز الأسماء في تاريخ الدراما العربية الحديثة.