أصرّ الوزير الأسبق بالرئاسة،زعيم حركة مشروع تونس محسن مرزوق على تدوين مذكرات صراعه اليومي مع فيروس كورونا لمدة أسبوعين، متحدثاً عن طبيعة المواجهة ومعاناة الجسد والروح والعقل من لحظات الألم والارتباك.

وقال مرزوق أيام من دخول هذا الفيروس إلى جسدي، صرت أحسّ وكأنني أحارب كائناً واعياً، يناور، يتراجع ثم يهاجم من جديد، يختبئ لوهلة ثم يظهر مرة أخرى. كأنني أواجه ذكاء ما. هل يجب أن أعيد قراءة كتاب فن الحرب لسون سي؟».

وأضاف «أوشك أن أتخيله في صورته الميكروسكوبية كما كنّا أطفالاً نتخيل الغيلان بقدمي ماعز وذيل مدبب وقرون وأسنان حادة وعيون حمراء دموية، أوشك أن أتتبعّه وهو يتنقل بين عروقي كما يتنقّل سكّير مترنح في شوارع مدينة آخر الليل، يفتح باب خلية من خلاياي ليدخل أخرى تاركاً فوضاه وراءه، أوشك أن أراه وهو يجمع حطباً يشعلها ليرفع حرارتي، ويقطع خيوط التلغراف التي تتحكم في حاستي ذوقي وشمي، ثم يفرّ مع قدوم عساكر الدواء كما يفعل المخرّبون الجبناء».

وخلال الأسبوع الثاني من المواجهة كتب مرزوق «مازالت العتمة جاثمة في الغرفة. رغم وشوشة أصابع الشمس التي تحاول أن تتسلل من وراء قضبان النافذة والستائر قبل أن يحجبها مرة أخرى سحاب أتوقعه متحكماً في رماد الْيَوْم الشتائي.

تبدو هذه النقرات وكأنها حبات مطر. هل تمطر؟ ارتعشت لمجرد السؤال فسحبت الغطاء لحدود أنفي بينما تتمطط روائح النوم مثل سيجار كوبي فاخر،عواء مكتوم تتبادله الريح مع الأشجار حول البيت.

رقصات ومزامير حزينة تعيدها الطبيعة منذ ملايين السنين كأنها تراتيل تريد للإنسان أن يفهمها فلا يفهم. لذلك ترمينا الطبيعة بطيور أبابيل وزواحف وثدييات وفِي ألسنتها لهب الفيروسات تصفعنا بها بين الفينة والأخرى.

فنضعف ونخاف ونتصاغر ونعرف حجمنا ونتذلل ثم نعود من جديد للجهل والصلف والغرور. انحبي أيتها الريح. فالمطر قد ثبّتت التراب على القبور الطرية ولن يؤلم الغبارُ عيون النائحين على موت أحبابهم ضحايا الوباء. ساعديهم أيتها المطر العجوز فلقد تعبت مآقيهم وندرت دموعهم. كوني عيونهم التي جفت».

بعد أسبوعين من الواجهة، كتب مرزوق «أحسّ أنّني دخلتُ مرحلة الشفاء. تقول تقارير المعركة، إن الفيروس هزمَ وأن جيوشه تفرقت بين قتيل وأسير وأن قادته صلبوا على أبواب خلاي جسدي. لم يبق سوى معالجة آثار التخريب الجزئي الذي تركه في بعض المواضع.

حولي الغرفة فوضى منظمة. الكتب والأدوية والدفاتر والأقلام، وحركة شخوص التلفزيون تتحرك وحدها دون متابعة. على السرير أنا في الوسط. محاط بكل هذه الأشياء مثل ناجٍ من غرق محاط بحطام سفينة. كنت أوزع كلماتكم الجميلة في أنحاء جسدي وأشوّق أنفي برائحة القهوة ليقرر رأسي أن يرفع نفسه عن المخدة.