لأن الحرية العربية في حالة غياب مزمن، لم يستطع الكثير من طلابها التمتع بنسيمها الذي هب مع بداية الربيع العربي، كما لم يعرف الكثيرون كيفية التعامل معها، فقفز من قفز إلى عربتها واستفاد من استفاد من طاقتها واستغلها أثرياء الحروب، وبالتالي سرقها من لا يستحقها أصلاً.
حال الحرية من حال الثورة، من حال الشجرة التي زرعها أحد ما وسقاها واعتنى بها، وعندما أثمرت جاء متسلق ما ممن يجيدون أكل الكتف وقطف ثمارها وركض بها، منادياً إنها شجرته التي رواها بدمه وتعبه.
هذه ليست حال مصر، بل حال معظم الثورات العربية التي بدأت تتكشف من خلفها حقائق مرعبة، عن عقول تخفي ما هو مشابه للديكتاتوريات السابقة، وأحياناً تتفوق عليها وتتخطاها بدرجات، وقد أثبتت التجربة أن الهيئات الشرعية في بعض المناطق السورية التي يسيطر عليها أصوليون، لديها سجون لا تقل قسوة عن سجون النظام، ناهيك عن قطع الأيدي ودق الأعناق.
هل يذهب تفكيرنا البدائي نحو عبارة (النظام السابق كان أفضل)؟ البعض قال ذلك كاشفاً عن وجه قليل المعرفة بالشأن السياسي.. وجه لا يجيد إعادة إنتاج السياسة لأنه لا يعرفها أصلاً، كما حال الحرية التي لم يعشها، وعندما سنحت له الفرصة تخبط في مياهها حد الغرق.
قطعاً الديكتاتوريات السابقة ليست أفضل من المشهد السياسي الحالي، المصري أو الليبي أو السوري (وهو الأشد قسوة بينها جميعاً)، لكن من ذا يراهن على عودة الديكتاتوريات السابقة؟ ولماذا تتم المقارنة أصلاً..؟ هل لأن الحرية غائبة منذ عهود، أم لأن الوعي السياسي ضعيف، أم لكليهما معاً؟
أجزم أن الوعي السياسي مفقود والحرية غائبة والطريق ليست قصيرة نحوهما، لكن مَن من تلك الجموع سيكف عن المسير.