جان وجوني

المشاهير لا يتنافسون في الحياة فقط، بل التنافس في الموت أيضاً أحد عناوين الشهرة، فقد توفي في السادس من ديسمبر الجاري الفيلسوف الفرنسي جان دورميسون عن 92 عاماً، ويعد دورميسون أشهر فلاسفة اليمين، ومؤلف كتاب «عظمة الإمبراطورية» الذي فاز بالجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية، والتي كان عضواً فيها منذ العام 1973 حتى رحيله، وقبلها كان مديراً لتحرير جريدة «لوفيغارو» ونشر ما يربو عن أربعين كتاباً.

وفي ذات اليوم السادس من ديسمبر رحل جوني هوليداي، وهو مغن وملحن وممثل فرنسي اشتهر بأداء موسيقى الروك والبلوز، وكان يطلق عليه لقب ألفيس بريسلي فرنسا، وجابت شهرته البلاد الفرانكوفونية، وخاصة الشباب منهم وباع خلال مسيرته الفنية 100 مليون أسطوانة واهتمت فرنسا بجنازته التي انطلقت من قوس النصر لتعبر شارع الشانزيليزيه باتجاه ساحة الكونكورد ثم كنيسة مادلين الشهيرة، حيث أبّنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بينما اكتفى مكتب الرئيس الشاب بنعي جان دورمسيون ببضعة سطور في تقليد درج عليه الإليزيه.

الكتاب يخافون من الموت عندما يتزامن مع نجوم الفن، لأنهم سيحصلون على عناوين خجولة في الصحف اليومية، وسرعان ما تُطوى صفحتهم، بينما الفنانون يموتون طويلاً عبر الأخبار المتلاحقة حيث ترصد الكاميرات من حضر في عزائهم، ومن تخلف ومن بكى كثيراً ومن هي تلك المجهولة التي تذرف الدموع بحرقة.

لكن من يبكي الكاتب..؟

سؤال أخاف الكاتب الفرنسي جان كوكتو الذي ارتبط بصداقة عميقة مع المغنية الفرنسية أديث بياف لعقدين من الزمن، قبل أن يتوفيا في اليوم ذاته من العام 1963، حيث توفيت بياف في ساعات الصباح الأولى عن عمر 47 عاماً بينما توفي كوكتو وهو في الرابعة والسبعين من عمره، بداية أخفتْ عنه الخادمة موت بياف، لكنه علم لاحقاً وهو في دور حمى شديدة بنبأ رحيلها، فعلق قائلاً (لقد غرقت السفينة) ومات بعدها بساعات قليلة، طبعاً طغى نبأ رحيل عصفورة باريس على أي أخبار أخرى، بما فيها خبر رحيل كوكتو العملاق.

كتبت الصحف آنذاك كثيراً عن موت المغنية أديث بياف، والتي حولت صقيع باريس الشتوي إلى مشاعر دفء وحنان تنتاب كل من يسمع نغمة الرنين العذبة في صوتها القوي، ومرَّ مروراً سريعاً رحيل كوكتو، وكأن الزمن ذاته سيعود ثانية، في موت جان دورمسيون التراجيدي، مقابل موت جوني هوليداي المفرط في حفاوته.

نعم، يخاف الكاتب الموت في زمن المشاهير خوفاً مضاعفاً، لأن الموت مخيف، ولأن الموت قاس على من هم أقل حظاً.

المبدعون دائماً حظهم قليل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات