أما قبل

حلّ محله

ولى زمن الراحة مع دخول أول شريحة إلكترونية إلى جيوبنا، مثلما ضاع الوقت في البحث عما يفيد وما لا يفيد، كما أطاحت تلك الشريحة بالعلاقات الاجتماعية ودفعتها نحو الركن المظلم من اهتماماتنا.

أجزم أن كل قارئ لديه مئة حكاية وحكاية مع التكنولوجيا، لكن طعم الحكاية يختلف عندما نعرف أن الهاتف حل محل الكتاب ويتم تفحص محتواه قبل النوم وبطريقة عكسية يطرد النوم من العيون بدلاً من استجلاب النعاس كما كانت تفعل الكتب، ناهيك عن الضرر الذي تحدثه أشعته بالعين.

أعجب للقارئ الغربي الذي يخجل من استعراض هاتفه القديم في المترو، لكنه لا يخجل من تقليب صفحات كتابه المهترئ حيث يلتهم صفحاته محطة بعد محطة، وهو ما لا يمكن مقارنته بأشخاص يجلسون في المقهى وهم منشغلون بهواتفهم يشاهدون النكات ويصغون للرسائل الصوتية وقد تدلت أسلاك السماعات من آذانهم، ويضحكون بشكل منفرد بطريقة لا تخلو من فظاظة، أو من قلة احترام لمجالسيهم.

إن كتاباً مهترئاً لا يعني قلة القدرة على شراء نسخة جديدة، لكنه يعني فيما يعنيه أن قراء وقراء مروا على كلماته واستفادوا من صفحاته، فلطالما كانت إعارة الكتب عادة محمودة بين الأصدقاء حيث يتشاركون في المعرفة والرؤية وتتشابه الأهداف فيصبح المجتمع كأنه أضمومة واحدة في عالم كبير.

لم يمت الكتاب بتقدم التكنولوجيا، بل تطورت صناعته، وزادت رقعة انتشاره، وولى زمن تصوير الكتب أو نسخها يدوياً، لكن الذي مات حقاً قيمة المعرفة الحقيقية التي توفرها الكتب، لأنه تم الاستعاضة عنها بمعلومات سريعة على شبكة الإنترنت قليلها دقيق وموثق وكثيرها (معنعن) أي منقول عن مصادر غير صحيحة، وهو ما يدفع نحو عدم الثقة بالعالم الافتراضي الأزرق.

نعم ولت أيام إطفاء النور وإغلاق باب المكتب خلفك لأن ساعات عملك انتهت، ولأن وقت راحتك قد بدأ، ولن يزعجك أحد إذا لم يكن هناك مصيبة استدعت إبلاغك في بيتك، لكن ماذا تفعل وقد حملت مكتبك في جيبك، حيث هاتفك يرن في أي وقت وفي أي مكان، هل تكون فظاً ولا تجيب أم تقول وداعاً لأيام الراحة.

من منا يملك هذه الشجاعة؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات