أما قبل

انتهاك الخصوصية

من إيقاع حركة الناس في المطارات وهم يسرعون للحاق برحلاتهم، يمكن للمرء أن يفرز المجموعات البشرية حسب خطواتهم المستعجلة في مطارات العالم أو تلك المطارات المزدحمة التي تسجل في بياناتها حقائب كثيرة لأُسر جاءت من الخليج العربي، مع أطفال يركضون في الممرات، أو لآسيويين لا تدل عليهم سحنهم فقط بل تراهم يسرعون نحو بواباتهم قبلما تفوتهم الرحلة أو لعلهم يسرعون للحاق بعالم التكنولوجيا الذي ينتظرهم أمام بوابة بلاي ستيشن 5، وهو المنتج الذي لم تطلقه الشركة المنتجة بعد.

وربما الأوروبيون بخرائطهم الدقيقة التي يعرفون من خلالها أين تقع تدمر وأين هي بوابات عشتار وكم عدد درجات مدفن الملك خوفو في الهرم الأكبر، ناهيك عن الأميركيين الذين يحملون رزمة من الدولارات التي يُغري منظرها معظم الباعة.

كل هؤلاء وضعهم جوليان اسانج في أوراقه التي يطلقها تباعاً من موقع ويكيليكس الشهير حيث هناك من يراقب الناس في كل تحركاتهم ويرصد كل رمش يرف وباتت الخصوصية منتهكة. فما جدوى أن يحتفظ المرء بأسراره طالما مكتب التحقيقات الفيدرالي يراقب الثلاجة والميكرويف والتلفزيون والسيارة وعلّاقة المفاتيح وأقفال الخزائن ويفضح أسرار الأزواج ولا يصون الحرمات؟ وكيف للمرء أن يأمن من الفضائح إذا كان (الأخ الأكبر) عينه عليك، يحسب أنفاسك ويقرأ أفكارك، ثم يفضح أسرارك.

كل هؤلاء باتوا عرضة للانتهاك من دون رادع أو خجل، فما جدوى أن يعيش المرء مع أسراره؟ أو لعل من الأنسب أن يتظاهر المرء أن لا أحد يراه طالما ليس في سلوكه أذى للمجتمع أو جريمة يُسأل عنها أو قضية «توديه في داهية»! ما جدوى ذلك طالما أسانج يفضح ومكتب التحقيقات يراقب، أسرار الدول والشركات والمشاهير بين أيدي العامة.. تصوروا.

عندما تسقط قيم أخلاقية نهضت عليها أمم ومجتمعات وعندما يذهب العالم نحو جحيم الفضيحة.. وعندما تتراجع منظومة من السلوكيات التي تحكم حسن التصرف وحكمة العقل، لا تعود هناك قيمة لفكرة نشوء الأمم على قيم عظيمة تحمي الأوطان أو تسيجها، ولا معنى لكل تلك الدساتير طالما ينتهكها الإنسان متى شاء أو أينما أراد خدمة لمصالح بغيضة ووضيعة ليست من النبالة بشيء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات