أما قبل

مسرح لاهشيت

مسرحية «المغنية الصلعاء» تقود إلى حكايات متصلة بالعرض الذي لم يتوقف منذ 60 عاماً على خشبة مسرح لاهشيت، في الحي اللاتيني بقلب باريس القديمة، حيث طابور طويل من الراغبين في حضور العرض، سعداء الحظ هم الذين يفوزون بالمقاعد التي لا تتجاوزالـ 90 مقعداً في مسرح صغير تحيطه المطاعم والمحال التجارية ويمر الناس أمام بوابته، بعضهم يدفعه الفضول ليعرف كيف لمسرحية عبثية أن تعرض لأكثر من ستين عاماً في المكان نفسه، الممثلون يتغيرون والجمهور كذلك، النص والخشبة باقيان، كما قال مدير المسرح الذي أعطاني مقعداً خشبياً في آخر الصالة، حتى لا أعود خائباً. ثم أخبرني حكاية طريفة عن المسرحية:

منذ سنوات والمسرحية تلاقي نجاحاً طيباً. جاء كبير الممثلين وقال لي (لمدير المسرح الذي كان قاطع تذاكر آنذاك)، إن يوجين يونيسكو مؤلف المسرحية سوف يحضر العرض. أرجوك أن تهتم به وامنحه مقعداً مميزاً.. وبعد ساعة عاد كبير الممثلين يسأل: هل جاء يونيسكو؟ قلت لا أعرف شكله، قال إنه رجل مسن أصلع معقوف الأنف، قلت نعم جاء عجوز بهذه الأوصاف فطردته لأنه أراد الدخول ولم يكن لديه تذكرة.

قلت: هل طردوك؟ قال أبداً لقد أصبحت فيما بعد مديراً للمسرح كما ترى، وكأنه يؤكد لي أن العبث ليس على المنصة فقط.

غير أن حكاية مسرح لاهشيت تستحق هي الأخرى وقفة أطول، فقد قرر مالك المسرح منذ عدة سنوات، بيع المكان ليتوافق مع محيطه من المطاعم والمحال التجارية. فتنادى مثقفو فرنسا لإنقاذ المكان من التخريب وأرسلوا إلى جاك لانغ وزير الثقافة آنذاك، لتتدخل الوزارة دون طائل، وكاد المسرح أن ينتهي لولا إقدام الممثلين على جمع أموالهم وشراء المسرح ليكون ملكاً لهم يعرضون على خشبته مغنيتهم الصلعاء جيلاً بعد جيل.

العبث يتواصل أيضاً داخل الصالة لأن كثيراً من الذين يحضرون العرض لا يفهمون الفرنسية (المسرحية لا تتوفر لها ترجمة فورية). لكنهم يبحثون عن السر في ديمومة العرض طيلة سنوات وسنوات، وكأنهم يكملون دائرة المغامرة فلا معنى لزيارة باريس دون التسكع في السان جرمان ودون المرور أمام مسرح لاهشيت، حيث كلمات يوجين يونيسكو على أحد الجدران (نجاح كبير على مسرح صغير أحسن من نجاح صغير على مسرح كبير).

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات