هويات ملتبسة

منذ مطلع الاستقلال في عدد من الدول العربية، تشكلت الهوية الوطنية حسب ساسة تلك المرحلة الذين مزجوا الأحلام التحررية ببعض الواقع فنتجت عنه أهداف وشعارات قليلها عاش، وكثيرها مات في كتب المدرسة.

اليوم تتشكل هوية جديدة للمنطقة العربية، أقل ما يقال عنها هويات تعكس الواقع الذي وصلت إليه تلك البلدان، خاصة الهوية العقائدية والقومية والحالمة والثورية، لكن أخطرها الهوية الضائعة لدول مزقتها الحرب.

كانت الهوية الضائعة تمثل هؤلاء الذين لا ينشؤون في أوطانهم الأصلية ولا يندمجون في أوطان بديلة ولا يدخلون النسيج الاجتماعي للمكان الجديد فتراهم يعيشون على حافة الانتماء للمكان الذي يشبون فيه، مثلاً: هم فرنسيون حسب الوثائق، لكنهم ليسوا كذلك في المسلك الاجتماعي، يعيشون في أحياء تشبه وضعهم الثقافي، حيث البقال والجزار والخباز والمطعم والطبيب والصيدلي من أبناء جلدتهم.

إذاً الهوية غائبة لأسباب يدركها من لامسها وعاينها عن قرب، هوية ملتبسة نتيجة الإحساس بالاختلاف.

لكن هوية اليوم يتعاظم ضياعها مع تعاظم النزعات الاستقلالية ليس في الجانب العرقي والديني فحسب، بل كثير منها مناطقي حسب ظروف الحرب ورقعتها الجغرافية، سوريا ليست نموذجاً متفرداً في هذا الضياع، لكنها نموذج لما تنفخه الريح من هبوب على الرماد فيطفو على السطح ما كان مسكوتاً عنه لعهود طويلة.

تشكل الهويات الجديدة في بدايته، ربما ستكون (طريقاً نحو جغرافية جديدة)، حيث يذكر ساسة هذه الأيام بشكل غير مباشر كثيراً من الأفكار التي تروج لشرق أوسط جديد، أو بلقنة الشرق، أو دويلات صغيرة يسهٌل طيها تحت جناح جار قوي أو يمكن التحكم فيها من بعد.

لعل الأبرز في الحالة الراهنة إعادة تفحص الهوية الوطنية ومن ثم القومية، وخاصة تلك الدول التي تتسع فيها الجغرافيا وتقل فيها هيبة الدولة، لأن تلك الجغرافيا تنعش فكرة المغامرين وشُذاذ الأفق وغيرهم من اليائسين، لبناء كيانات من أوهام إن لم تعش طويلاً على الأرض ستصبح خواصر نازفة كلما هبت ريح وحركت الرماد فوق الجمر.

ليس من الحكمة القفز فوق الهويات العرقية والإثنية والدينية، أو طمسها أو التعامي عنها، لأن ذلك انتحار كبير لا يدفع ثمنه أشخاص فقط، بل محرقة كبيرة تنصهر في أتونها بلدان وأوطان وحضارات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات