لم يعرفوها

الذين عادوا إلى مناطق في حلب القديمة لم يتعرفوا إلى حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، تلك المناطق التي خرجوا منها مع دخول الرصاص والبراميل المتفجرة هاربين إلا مما على أجسادهم من أسمال، لم يتعرفوا إلى حائط أو مبنى، كان الدمار شاملاً لم يترك سقفاً أو نافذة أو شرفة إلا وترك الدمار فيها بصمة لن يمحوها دهر من الزمان.

آلاف الصور انتشرت عبر مواقع التواصل لسكان مناطق حلب الشرقية، وتحديداً تلك التي تبدأ منها حكاية عمرها آلاف السنين، صور لحجارة تركت مكانها للبرد والريح تصفر بين أكوام من تراب وعلى الأطراف أخشاب في صفائح حديدية أضرم فيها السابلة النار بعدما قال الثلج كلمته في مدينة لم تعرف الزائر الأبيض منذ أربعين سنة.

تأملت صور البيوت التي أجزم أني زرت بعضها أو مررت قربها غير آبه بما حوته من ذكريات أو ما خزنته من أزمان، فقد كنت مطمئناً إلى قدرتها على الصمود، كم من الغزاة مروا، وكم من الحروب والحرائق والزلازل وهي صامدة.. باقية.. خالدة، لكن حرب (ذوي القربى)، لم تبخل على المدينة بأبشع آلات التدمير فحولتها إلى رماد.

الصور التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي دليل على قيمة كبيرة للمكان في وجدان أهل المكان، ولكأن المرء يتساءل: هل من مدينة قُصدَ تدميرها كما فعلوا بحلب، دمار لم تعرفه برلين أو درسدن أو لندن أو ستالينغراد، خلال الحرب العالمية الثانية، كثير من الضباط الألمان كان معارضاً لقصف باريس بالمدافع أو الطائرات القاذفة، كانوا مدركين أن مدينة بهذا الجمال لا يمكن تدميرها بسهولة.

لم يكن في حلب أحد من أمراء الحرب لديه حس بالقيمة التاريخية للمدينة، بل عَمَدَ بعضهم إلى الاحتماء بالتاريخ وأبنيته ليتجنب القذائف، تلك القذائف التي لم توفر تاريخاً أو امرأة أو طفلاً أو كائناً ما كان.

صور تدمي الروح في عصر الصورة المبثوثة، ولعلها إحدى فضائل هذا العصر أن تتقدم الصورة وأن تتراجع الأخلاق والقيم والمبادئ، وإلا فكيف نفسر الصمت المريب على تدمير حلب وتشريد أهلها والرقص على جراحها؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات