ليست في خطر

في الوقت الذي تحتفل به الأمم المتحدة بيوم اللغة العربية «18 ديسمبر»، كواحدة من اللغات الرسمية الست المعتمدة لديها، ترتفع الأصوات منادية لإنقاذ اللغة مما يلحق بها من شوائب وظلم، وتقام لأجلها المؤتمرات، وتعقد الندوات، وتلقى فيها المحاضرات والبحوث وكأن العربية لن تقوم لها قائمة.

حول العالم هناك 422 مليون ناطق بالعربية، يتوزعون في الوطن العربي والمناطق المجاورة كالأحواز وتركيا وتشاد ومالي والسنغال وإريتريا. كما تتصدر اللغة العربية مواقع متقدمة (بين اللغات الخمس) الأكثر استخداماً في العالم، لكن على المقلب الآخر هي ليست اللغة الرسمية للأعمال في الدول العربية، وإتقانها لا يشكل هاجساً لدى الشركات الباحثة عن موظفين، وعليه يتجه قطاع كبير من الناس نحو تعلم الانجليزية وتعليمها لأبنائهم.

عن أي انجليزية نتكلم، قطعاً ليست لغة شكسبير، إنها لغة مفردات وتراكيب جاهزة يمكن للمرء حفظ المئات منها وتركيبها بطريقة مكعبات الـ«ليغو» لتصبح جملة تؤدي غرضاً محدداً، وأجزم أن أكثر من 99 في المئة من العرب الذين يتواصلون بالانجليزية لا يجيدون بناء فكرة تعبيرية خارج سياق الاستخدام الوظيفي اليومي.

والدليل واضح أمامنا عندما نصغي لأم توجه طفلها بالإنجليزية، أو لأسرة تتبادل العبارات الأجنبية في مكان عام، بينما بالكاد يجيدون اللفظ الصحيح للمفردة. هؤلاء لديهم ضياع في الهوية وتشويش في البوصلة. ولا يريدون التواصل بالعربية، ولكنهم لا يجيدون الانجليزية. وكأنهم يريدون تقليد مشية الحجل، كما فعل الغراب.

مشكلة العربية في هذا العصر أنها ليست لغة العلوم، وبالتالي المسافة بينها وبين الجيل الجديد بعيدة من حيث البناء أو من حيث عمق التعبير.

ويبدو طبيعياً أن يستخدم أبناؤنا المفردات العلمية العالمية أو المصطلحات المنتشرة للعلوم لأن البدائل العربية غير متوفرة، ولكن يبني أولادنا جملاً صحيحة بالعربية ويجيدون التعبير عن أنفسهم بلغتهم، وبات لدينا آلاف مؤلفة من الكتب باللغة العربية، ما يعني أن اللغة ليست في خطر. الخطورة تكمن في هجر اللغة نهائياً والإحجام عن تأليف الكتب والأغاني والأفلام والنكات وغيرها من النتاجات الثقافية بغير العربية. الخطورة في موت الثقافة العربية، وليس اللغة. إن اللغة وسيلة وليست هدفاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات