الإندماج هو الحل

أينما اتجهت في ألمانيا تطالعك وجوه مألوفة السحنة، كأنك تركتها خلفك منذ قليل، وتكاد تسأل نفسك أين الوجوه البيضاء والشعر الأشقر والقامة الممدودة، وخاصة في الأماكن العامة التي يكثر فيها العابرون، تراهم يحملون حقائبهم المشدودة إلى ظهورهم ويدسون أصابعهم في جيوبهم اتقاء للبرد، لا يمكنك تصنيفهم: سوريون، عراقيون، أفغانيون، إيرانيون، لكن قطعاً ليسوا ألماناً.

ذات حوار مع مدير فندق فاخر قال لنا انظروا إلى الشارع، نحن مجتمع عجائز، لذلك نعوّل على هؤلاء المهاجرين، وخاصة الذين يأتون مع أطفال بأعمار صغيرة، هؤلاء هم استثمارنا الديموغرافي في المستقبل.

في معرض فرانكفورت للكتاب تنقلب الصورة، رواد المعرض في يوميه الأخيرين، من أبناء الثقافة الألمانية يلبسون زي الشخصيات التي اخترعها المؤلفون في قصصهم ويتجولون بين أروقة المعرض في مشهد استعراضي مستوحى من أزمنة غابرة وخيالية، لسانهم ألماني رغم تنوع سحنهم، شقراء وسمراء وحنطية، لقد دمجتهم الثقافة الألمانية في أتونها وأعادت إنتاجهم على شاكلة كسب الرهان.

رهان ألمانيا هو دمج أبناء الثقافات، لكن، رغم إصرار الألمان على التنوع الثقافي ورغم تشجيع الأسر غير الألمانية على الحديث بلغتها الأم في بيوتها، إلا أن التأثير الكبير لثقافة المجتمع سيكون واضحاً، حيث يعتز الألماني بلغته وتاريخه وحاضره وصناعته وفريقه لكرة القدم ويكاد أن يقول (هتلر) لولا المحارق وراء الباب.

المجتمعات الغنية بثقافتها لا تخاف من حملة حقائب منفوخة في محطات القطار، هؤلاء لا سبيل لهم للعيش إذا لم يصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع، ولا خيار آخر لهم إلا الدخول إلى عمق المكان الجديد ليكون مرحّباً بهم، إذ ليس من المنطقي أن يأتي اللاجئ من أفغانستان إلى ألمانيا ليعيش في حي أفغاني وكأنه لم يغادر كابول!

عدم الاندماج سينتج ثقافة عدائية ستصل إلى دهس الناس بالعربات الثقيلة في الشوارع العامة، أو إلى تفجير المسارح والمطاعم والملاعب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات