هدنة المثقف

لا أحد يضمن (حتى لحظة كتابة هذه السطور)، سريان الهدنة في سوريا، سوريا التي تحولت ثورتها إلى حرب أهلية، ثم حرب على الإرهاب، حرب على الحصص، ثم لهاث على المناطق (ضائعة الهوية الطائفية)، ثم السير زرافات ووحداناً نحو التقسيم.

وحتى هذه اللحظة، الملايين حول سوريا داخلاً وخارجاً لم ولن يمر على تفكيرها أن تكون سوريا اليوم عدة سوريات غداً، وكأنهم لم يعرفوا التاريخ، عندما كانت سوريا هي لبنان وفلسطين والأردن، أو ما اصطلح على تسميته في الكتب (سوريا الطبيعية).

وهناك ملايين أخرى لا ترى في سورياها غير ما تلقنته طيلة نصف قرن من مفردات تنفي الآخر وتحوله إلى شخص مصطنع، يردد كلمات قد لا يدرك معناها أو يحس بما ترمي إليه، ومنذ بدايات الثورة السورية (ما زالت ثورة في المطلق)، لم يتوقف النقاش بين المثقفين عن تعريفهم لسوريا العربية، أم لسوريا السورية.

ولعلها فرصة لمثقفي الوطن المدمر، أن يستغلوا الهدنة ليوقفوا حروبهم الكلامية والكتابية لإعادة قراءة وتعريف ما ثبت على الأرض من حقائق ووقائع، وخاصة هؤلاء الذين تعميهم مصطلحات نصف قرن عن رؤية جحافل المهجرين وهم يغادرون منازلهم نحو منازل أخرى، في حركة فرز طائفي، يخشى المثقف من الاعتراف بها.

فإذا كانت الهدنة في تعريفها السياسي، هي معاهدة تهدف إلى وقف الأعمال العدائية خلال الحرب بين الأطراف المتنازعة، فإن المثقف يحتاج هو الآخر إلى هدنة لإيقاف حربه ضد السوري الذي يقف على مسافة قريبة من وطنه، هدنة ليست ضد قناعاته، لكن تتوافق مع رغباته، وهل هناك رغبة أسمى من إيقاف الحرب.

وإذا كانت الهدنة (إن صمدت)، لا تعتبر نهاية الحرب، إنما هي فقط وقف اقتتال لفترة زمنية محددة، فحري بضمائر الوطن أن تتوقف كلماتهم عن الاقتتال، بعدما نبذت الآخر وخونته ولصقت به تهماً يربأ الحرف عن ذكرها، حري بالسوري أن يتوقف عن:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات