منتدى للتنوير

في الوقت الذي نفكر فيه في قوة الثقافة لتطوير المجتمع، تأتي السياسة بكل ذيولها لجر الثقافة والمثقف والمجتمع إلى الخلف أو إلى الضفة التي يريدها بعض الساسة، وهم أكثر الناس إشكاليةً في علاقتهم بالمثقفين، وعبر التاريخ لم يعش اثنان حالة وفاق دائمة، ربما في أحسن أحوال علاقتهما كانت (الصمت).

كان ذلك واضحاً في النماذج التي مثلث الكُتّاب العرب في اجتماع مكتبهم الدائم الذي اختتمت فعالياته الأسبوع الماضي في دبي، وقد جرت العادة أن تكون هناك ندوة، ثم أمسية، ثم توصيات، وجميعها تشبه كل الاجتماعات الدائمة للكتاب العرب طيلة حياتهم النقابية، حيث المؤسسة الرسمية حاضرة في كل دورة من دوراتهم.

العمل العربي المشترك يشبه الجامعة العربية، معطلٌ أو انتهى مفعوله، وطالما الخطاب الثقافي هو ذاته منذ نصف قرن: القضية الفلسطينية، الشعوب الصديقة، التحرر العربي، الخروج من مأزق الاستعمار.. إلخ من «الكليشيهات» الجاهزة.

بينما السنوات الأخيرة كانت هي الأخطر على العرب حيث تتمزق أوطانهم وتزداد ديكتاتورياتهم ويملأ الدم مقاعد مدارسهم، فمن لم يغيبه السجن ابتلعه البحر، ومن لم تمزقه القذائف تشتت شمله بين أصقاع الدنيا، والكتاب العرب في وادٍ آخر، إذا جاء ذكر سوريا انقسم المعسكر إلى مدافعين عن الصمود وآخرين ضد كذبة الصمود والتصدي.

وبين هذا وذاك يصطف خلف المكاتب الرسمية كُتاب من درجة (أكل الزمان وشرب) يمثلون بلدانهم في المحافل الرسمية العربية، بينما الكتاب الذين يشكلون ضميراً حياً تراهم خارج المؤسسات الرسمية أو ليسوا منضوين تحت عباءته، ويزيد الطين بللاً أن توصيات هكذا مؤتمرات لا تخرج عن مألوفها، ربما توصية (الدعوة إلى تأسيس منتدى ثقافي عربي لمواجهة مختلف أشكال التطرف والتعصب والإرهاب في الوطن العربي) هي الألمع بين كل ما جاء في تلك الاجتماعات.

ولعل الإمارات التي احتضنت الدورة الأخيرة تكون منطلقاً ومقراً لهذا المنتدى، فقد رعت الثقافة والمثقفين وعززت من دورهم، وأجزم بقدرتها على بناء منتدى كهذا يكون محركاً لعصر تنوير جديد يحتاجه العرب اليوم أكثر من أي يوم مضى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات