أما قبل

زمنان للكتابة

عندما كتب توفيق الحكيم مسرحيته «عصفور من الشرق» عام 1938 كانت يومها حدثاً لافتاً في عالم الثقافة، حيث قصة حب واضحة وصراع حضارات وانتقاد لمجتمع الماديات والاستهلاك، وعندما صدرت رواية «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس عام 1953 كانت هي الأخرى حدثاً بارزاً في عالم الرواية لأنها اختارت أن تنتصر لحكاية الحب التي جمعت بين شاب عربي وفتاة فرنسية في صراع أزلي هو صراع الشرق والغرب، صراع الحضارات الذي أخد منحى آخر هذه الأيام.

اليوم تصدر مئات الروايات العربية تدور أحداثها في باريس أو لندن أو أي بلد غربي دون أن تترك أثراً في عالمنا الثقافي، ولا يعود ذلك إلى قيمة الكــــاتب وموقعه من الشهرة بقدر ما يعــود إلى كثرة الكتب ووفرة الروايات وسعة النشر، حتى يكاد المرء لا يجــــد وقتاً للإحاطة بعناوينها أو أسماء كتابها، أو يمر الكتاب دون أن يُسمع عنه شيء.

مثلما هي الحال في وفرة المعرفة وسهولة الحصول على المعلومة أصبح سهلاً معايشة القصة وليس قراءتها: مثلاً يمكن للمرء التوجه إلى منطقة السان ميشيل أو السان جرمان في باريس القديمة وتجاذب أطراف الحديث مع جارة شقراء تدخن سيجارتها تحت شمس دافئة وتجلس إلى قهوتها التي تسمى «كريم كافيه» على طاولة صغيرة في أحد مقاهي الرصيف، يمكنك أن تطلب ولاعة من الـ (ديموازيل) الشقراء التي بجانبك، وتشكرها وتقول الطقس جميل.. وهكذا كأنكما تحتسيان القهوة معاً ولا داعي لقراءة «الحي اللاتيني»، يمكنك صناعة حيك أو قصتك.

تلك الأيام كانت ملامحك الشرقية وسحر حضورك الأسمر كافية لجذب الاهتمام لتكتب روايتك الخاصة، لكنك اليوم بذات الملامح والسحر أصبحت مصدر خوف وستهرب الشقراء من مقهاك إلى رصيف آخر، وستكون محظوظاً إن لم تتصل برقم الطوارئ. تغير زمن الكتابة مع تغير زمن السياسة، وستمر مئات الكتب تحت النهر دون أن تترك أثراً، لقد انتهت رواية الحب والشباب وحل محلها الرعب والخوف والنفور.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات