تَمُرّ بكَ الأعيادُ

أعياد كثيرة مَرَّتْ فوق سماء سوريا فيها من الحزن ما يلف العالم بأسره، حيث لا بيت إلا والحرب قضمت من أركانه أو شردت أهله أو عَلَتّه راية الموت، تلك البيوت التي كان العيد يرفرف فوق نارنجها وياسمينها عمّها البؤس منذ أكثر من خمس سنوات، لا فرحَ يضوع في جنباتها ولا عصافير تزقزق على أراجيحها.

يمر العيد كأن الزمن جعلنا نكبر عشرات السنين، أو كأنه أعادنا إلى الوراء عشرات السنين، ولسان حالنا أصابع ممدودة نحو الآخرين نتهمهم بالعداء دون أن ننظر للوحش الكامن فينا الذي أطعمناه مفردات التخوين والترهيب وزدنا عليها مفردات من قاموس التكفير، وأقمنا الحدَ فوق ضمائرنا.

اعتادت الناس حين يأتي العيد حزيناً أن ترثي حال أمتها كما فعل أبي الطيب المتنبي في هجاء كافور الأخشيدي (عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ)، غير أن بيتاً آخر من قصيدة أخرى أوقع على النفس لو استبدلنا مفردة (الأبطال) بـ(الأعياد) يُعَبر عن الحال بما لا يترك مجالاً لشرح أو تأويل:

تَمُرّ بكَ (الأعيادُ) كَلْمَى هَزيمَةً

وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ

نعم تمر الأعياد بحزنها الشفيف عاماً تلو عام حتى تدخل في عاديتها، لتتحول أخبار الحرب إلى طقس يومي لا تشرق دونه شمس أو تبرق في ليله نجمه، وهل أسوأ من تقبل الناس لفكرة الحرب بما فيها من مآسٍ وأهوال لتصبح خبزها اليومي، أو هل أسوأ من تناول الطعام بشهية مفتوحة ونحن نشاهد دمار سوريا، وكأن تلك الصور نتاج مخيلة سينمائية سرعان ما تنتهي بانقضاء مدة الفيلم. ليتها الحرب كانت فيلماً!

الأعياد ترادف الفرح وتبزه متعة وصفاء نفس وذهن وقلب، لكنها اليوم أصبحت أمنية صمت، صمت دوي المدافع أو أزيز الرصاص أو عويل الثكالى، أمنية لو تحققت في سوريا لأصبح العيد يستحق تسميته.. ودون ذلك ستمر بنا الأعياد ثكلى كليمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات