اللجوء والهوية

منذ أكثر من عامين وأسئلة اللجوء والهوية تقلق دول أوروبا تحديداً، التي استقبلت موجات هجرة تجاوزت المليون شخص في أقل من عام وسط ترحيب ومعارضة رسمية أو شعبية، ليس لاختلاف الثقافات فحسب بل لعدم تقبل الآخر المختلف عقيدة وفكراً وشكلاً وأسلوب عيش.

ذلك الاختلاف سارعت بعض الدول إلى احتوائه عبر كتيبات تعريفية بلغات المهاجرين، حيث عبارات توضيحية: ابتسامة لا تعني مغازلة، «من المستحسن استخدام المرحاض في وضعية الجلوس»، «الحديث بصوت خافت في الهاتف لعدم إزعاج الآخرين». هذه هي بعض النصائح الواردة في كتيب السلوك الحسن الذي يجب اتباعه في ألمانيا والموجه إلى اللاجئين. وقد أعادت برلين طباعته بصورة عاجلة بعد حادثة الاعتداءات التي وقعت ليلة رأس السنة الماضية في كولونيا.

محتوى الدليل اشترك في تصميمه وتجميعه عدد من المهاجرين واللاجئين، حتى يكون قريباً من عالمهم وليس على النقيض من أفكارهم ومعتقداتهم، وكثير من الدول في العالم تصدر كتيبات تعريفية عن الثقافة المحلية توزع على الأجانب لمراعاة خصوصية كل بلد، لكن تبقى قضية الهوية هي أخطر ما يواجه عملية الانزياحات التاريخية نتيجة الحروب أو المجاعات أو الكوارث المشابهة.

كل الثقافات طورت هويتها الأخلاقية وحولتها من مخزون احتياطي في الذاكرة إلى منهج تتعلمه الأجيال في المدارس والجامعات. وكثيراً ما أدخلت المفاخر والبطولات إلى الماضي للاستلهام منه حتى تحول الماضي إلى مقدس لا يمكن المساس به، وعليه يتم قياس الحاضر بالماضي للتأكد من أن جرعة الهوية الأخلاقية قد وصلت إلى العظم.

وعندما تكون تلك الهويات راسخة إلى درجة (أنا ومن بعدي الطوفان) يصبح الاندماج صعباً، لكن لننظر للتجربة اليابانية في تحديث الهوية والإنتماء، سندرك حجم ووهم الهويات المصطنعة، ولنعرف أن مستقبل الأمم ذاهب نحو التقبل والاندماج مع الآخر، شريك الهواء والماء والمستقبل، لذلك علينا أن ننتظر بضع سنوات ليصبح البشر مواطنين أمميين ينتمون إلى وطن الإنسانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات