إملاء وخط

يتذكر كثيرون منا تلك الحصة الدراسة في مراحل مبكرة من المدرسة، تحت عنوان (إملاء وخط)، حيث يجتهد المعلم في تعليمنا كيفية الكتابة الصحيحة، وطريقة رسم الأحرف بشكل صحيح، وأين يجب أن نضع علامات التنقيط والتفقيط، ومتى نضع النقطة، وأين موقع التنوين، ولماذا يجب ألا نهدر الورق أو نريق الحبر.

لست طاعناً في الزمن، لأكتب عن عصر الدواة أو الريشة، لكن حصة الإملاء والخط، التي تختفي من مدارسنا، تعيدنا إلى عصر الكتابة بشكلها الدقيق الصحيح، وإلى عملية الترابط بين الشكل الصحيح للكلمة، والشكل الجميل لرسمها الإملائي، تلك الحصة التي تثقل على المدرسين والتلاميذ، كانت ذات يوم، من أمتع حصص الدراسة، وخاصة حين يكون خط المدرس جميلاً، فيبدع رسمه على السبورة، ومن خلفه ينسخ التلاميذ حصة بعد حصة، ليتعلموا لغة أجدادهم.

يحسب كثير من العاملين في حقل التعليم، أن درس الإملاء من الدروس المحدودة الفاعلية، وأنه ينحصر في حدود رسم الكلمة رسماً صحيحاً، ليس غير، بيد أن الأمر يتجاوز هذه الغاية بكثير. إذ ثمَّة غايات أبعد وأوسع من وقف دروس الإملاء على رسم الكلمة الرسم الصحيح، وإنما هو إلى جانب هذا، عون للتلاميذ على إنماء لغتهم وإثرائها، ونضجهم العقلي، وتربية قدراتهم الثقافية، ومهاراتهم الفنية.

نعلم جميعاً، أن الخطأ الإملائي يشوه الكتابة، ويعوق فهم الجملة. كما أنه يدعو إلى الازدراء والسخرية، لذلك كان الحرص في البداية على معرفة قواعد اللغة قبل الرسم الإملائي، وأن يعتاد التلاميذ على النظام، والحرص على توفير مظاهر الجمال في الكتابة، ما ينمي الذوق الفني عندهم، لتتحول الكتابة من وسيلة تواصل معرفية، إلى قيمة جمالية فنية، حبذا لو أولينا حصص الإملاء والخط عناية عصرية، قبل أن تقتلها التقنيات المعاصرة، وتشوه خطوط التلاميذ، لأنهم لا يكتبون بأياديهم، ولسان حالهم: وما حاجتنا لاستخدام أصابعنا، طالما هناك أحرف على لوحة المفاتيح!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات