أوطان كبيرة

بتراكم التجارب والخبرات وتعاقب الأجيال ودوران عجلة الزمن، تتراكم الثقافة في المجتمع لتنتج مستقبلاً إنساناً مثقفاً شريكاً في صناعة مجتمعه، ضامن لمستقبله بين أمم الأرض، مهما كان الوطن صغيراً فإن مثقفاً تنويرياً واحداً يجعل منه قارة كبيرة.

دليلنا إلى ذلك غابرييل غارسيا ماركيز الذي حوّل بلداً مجهولاً مثل كولومبيا إلى وطن كبير يبحث عنه الناس في الخرائط، وبعدما كان جمهورية موز يقتلها الفقر صارت في أدبيات التداول (بلد ماركيز). لقد أعطى غابو (لقب ماركيز) وطنه قيمة كبيرة، ليس بحصوله على نوبل للآداب العام 1982، بل في نقل ما تراكم ثقافياً واجتماعياً لقرون عديدة إلى حكايات وروايات دفعت أعظم النقاد إلى وضعه في مصاف روائيي الإنسانية الكبار أمثال بلزاك وتولستوي وديكنز وهيغو وغيرهم.

لطالما قال الرئيس بيل كلينتون: دُهشت من خيال ماركيز الخصب ووضوح أفكاره وصدق مشاعره، وقد تشرفت بصداقته وتعرفت على قلبه الكبير وعقله المتميز لأكثر من 20 عاماً، ولم يخفِ الرئيس القارئ من إبداء إعجابه بكتبه حتى إنه قال : « إن

( 100 عام من العزلة) الذي شغل العالم هو كتابي المفضل». ونادراً ما يبدي رؤساء أميركا إعجابهم بكتاب أميركا اللاتينية، لكن ماركيز كان قد تجاوز ذلك بأشواط.

التراكم الثقافي يصب في مختلف الحقول، ولا يقف عند حقل واحد، فهو: الأدب والإبداع والعلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والعلوم القانونية والتراث والفكر والفلسفة. والتحولات الاجتماعية فضلاً عن تبدلات السياسة وتغيرات الاقتصاد،

والتي يصب جميعها في خانة التراكم ليصبح المكان مُنتجاً للثقافة ومُصدراً لها.

ومثلما وضع ماركيز بلده على خارطة السؤال (أين تقع؟)، كذلك فعل نجيب محفوظ عندما جعل من منطقة (خان الخليلي) مقصداً لا غنى عنه لزائر أم الدنيا. هل أضيف فيروز إلى القائمة، أم جبران ..؟ قامات جعلت من بلدان صغيرة أوطاناً كبيرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات