قامات الأمس

كم كان ممتعاً، تلك الأيام، أن نرى صورة شخصية لنا منشورة في صفحة ثقافية وبجانبها كلمات، كأنها درر الدهر، كلمات ساهمت في تشكيل قاماتنا عندما نقرأ أو نكتب أو عندما نقترب من مبدع أو نذهب إلى معرض أو نتدبر أمر بطاقات لمسرحية، وربما نحصل على كتاب من مكتبة رصيف، ولعلنا نزيد رصيدنا من الإهداءات، ولا نبخل بإعارة الكتب حتى يدرك أقراننا أننا أصدقاء لكتاب وأدباء وقامات إبداعية.

تلك الأيام لم يكن سهلاً أن تعيش الثقافة طقساً اجتماعياً، لم تكن ظروف العيش تسمح برفاهية المعرفة، كان حضور فيلم يحتاج لبعض الميزانية مثلما يفعل الذاهب إلى موعد غرامي مبكر، أو مثل شراء أول دراجة، أو أول ساعة، حتى المقهى كان حلماً جميلاً، وخاصة تلك الطاولة التي يتكوم فوقها أدباء.. طاولة لا يمكن أن تخطئها أبداً .. أصوات ودخان وصحف وقهوة ساخنة ونقاشات في شؤون الدنيا وشجونها.

كان حلم نشر قصيدة في صحيفة يماثل نصراً شخصياً يقربك من طاولة أدباء المقهى، حلم الأمس أطاحت به ثورة التقنية التي شكلت فاصلاً بين زمنين مثلما تفعله الحقب في تاريخ البشرية. فإذا كان لنهاية الحرب العالمية امتياز فهو الانتقال من حرب ساخنة إلى حرب باردة، مثلما فعل جدار برلين الذي شكل حقبة أخرى عندما انتقل العالم إلى الوقوف على ساق واحدة، غير أن نقلة الزمن الافتراضي التي أحدثتها ثورة التكنولوجيا أطاحت بالزمن التقليدي إلى وادٍ لا رجعة فيه.

تلك الإطاحة جعلت من حلم النشر باهتاً لا قيمة له، طالما يمكننا من نشر كل (دررنا) على الشاشة الزرقاء وكل ألبومات صورنا نفاخر بها من نشاء بلمح البصر.. لم يعد للحلم قيمة، لقد تغير الزمن مثلما تغيرت الأحكام على الإبداع وصار متاحاً للجميع أن يكتب وينشر ويغني على ليلاه .. ولا نامت أعين الجبناء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات