سجال قصيدة النثر مثل قصة إبريق الزيت، سجال لا ينتهي، رغم أن الثقافة الشعرية المعاصرة تجاوزت هذا الخلاف وصمتت عنه، ليس ترفعاً عن حوار لا يفضي إلى نتيجة، بل لأن الشعر تراجع في مستوييه الفني والاجتماعي، ولا نذهب في قولنا هذا إلى أن الرواية تقدمت، بل الناس انصرفت نحو عالم مفترض متنوع قليله شعر وكثيره أخبار سطحية وثرثرات ورغي يشبه كلام جارات الصباح على الشبابيك، أو لمة (النسوان) في صبحية الحي.

ما اقترحته الثقافة العربية منذ نصف قرن لتتقدم الحداثة نحو قيمة اجتماعية، لم يصمد أمام سطحية الحياة، وبنظرة مقايسة سريعة يمكن لأي كتاب سطحي أن ينتصر على البؤساء؛ لأن قارئه من فصيلة قراء اللايكات، الذين يجدون في كتابة المدونات غذاء روحياً يماثل ثقافة الفاست فود، حيث وفرة في الزيوت المهدرجة وقلة في الفيتامينات، وأغلب الظن أننا البقعة الوحيدة في العالم التي تُكتب فيها الرواية دون المرور بعالم أمهات الكتب الإنسانية.

ومثلما يموت النقد عندنا تموت المخيلة المبدعة، وخاصة تلك التي قدمت قصيدة النثر؛ لأن كتابة هذه القصيدة تتطلب عمقاً في فهم الشعر القديم ووعياً في إنتاج المعرفة وهضماً لفلسفة العصور وحساسية عالية للإمساك بالعابر الذي يستعصي على العين العادية، النقد يطور تلك المفاهيم ويضعها على الطريق الصحيح، وكلما كان النقد منهجياً كانت العملية الإبداعية أكثر تطوراً وحضوراً في الحياة.

سجالات قصيدة النثر تعيدنا إلى أسئلة البدايات، حيث سوزان برنارد وجاك بريفير وفاسكو بوبا، عالمياً.. وحيث أنسي الحاج وأدونيس والماغوط، عربياً. سجالات كنا نعتقد أننا قد تجاوزناها، لكننا حقيقة لانزال عالقين فيها، والشاهد على ذلك تراجع قصيدة النثر وسيادة الاستسهال، وبالتالي ما وصلنا إليه من سطحية مفرطة.