على امتداد الجغرافيا الثقافية العربية ورشات لكتابة الرواية، ودورات تدريبية لفن المسرح، وأخرى لنظم الشعر وغيرها للرسم والنحت والتصوير وسواها من الفنون التي يقبل عليها الشباب الذين يطمحون لصقل مواهبهم، لكن نادراً ما نجد دورات مخصصة للنقد، حيث إن هذا الحقل ليس للموهوبين فحسب بل للمجتهدين والمشتغلين على قراءة الفن الإبداعي بأشكاله وإظهار ما خفي عن القراء وتصويب ما فات الكاتب، وذلك ما يطور العملية الإبداعية ويعزز من دورها في تقدم الفنون عامة.
جاء في تعريف النقد أنه التعبير المكتوب أو المنطوق من متخصص، عن سلبيات وإيجابيات أفعال أو إبداعات أو قرارات يتخذها الإنسان أو مجموعة من البشر في مختلف المجالات من وجهة نظر الناقد. كما يذكر مكامن القوة ومكامن الضعف فيها، وقد يقترح أحياناً الحلول. وقد يكون النقد في مجال الأدب والسياسة والسينما والمسرح، وفي مختلف المجالات الأخرى.
هذا المفهوم الشامل للنقد غائب عن معظم الإبداع العربي، لذلك تظهر روايات ركيكة وشعر ضحل وأغنية مبتذلة، وإدارات فاسدة ومؤسسات فاشلة، ثم مجتمع متخلف.. والأمثلة حولنا كثيرة.
كتب جورجي زيدان عن النقد في مجلة الهلال: «إن الانتقاد يعني إبراز جوانب الاستحسان والنقص على السواء، وإن كلمة (انتقاد) ليست تعني إحصاء العيوب وحدها، ونريد من باب (الانتقاد والتقريض) كلا الجانبين.. والانتقاد تقريباً من معنى المراد، وما فتحناه إلا لعلمنا بما يترتب عليه من الفائدة الحاصلة من تناول الآراء وأن العاقل من اعتقد الضعف في نفسه وعلم أن انتقاد ما يكتبه أو يقوله، لا يحط من قدره، إذ إننا لا ننتقد إلا ما نراه جديراً بالمطالعة ومستحقاً للانتقاد».
لذلك تحتاج الثقافة العربية إلى عين فاحصة، مدربة، عارفة ومدركة لمواقع الخلل، فتشير وتكتب وتنشر وترفع الصوت حتى يتغير واقع الحال أو حتى تتطور الحركة الإبداعية، التي سترتقي لاحقاً بالمجتمع وتعزز قيمه وثقافته.