يعد تقبل السخرية درجة من درجات الارتقاء في المجتمعات، وكلما كان المجتمع ساخراً، كان متطوراً، ولأن السخرية تفتح باباً يمر منه هواء النقد مروراً نقياً، لا يتهكم ولا يجرح، وجدت كثير من المجتمعات في السخرية درباً لمصادقة الحياة والتخلص من همومها، وفضاءً رحباً لصرف الطاقة البشرية نحو ما هو غير قاس أو جارح.

المجتمعات العربية لا تتقبل السخرية بوصفها عملية نقد لتنقية الأخطاء ولا تفرق بين التهكم والسخرية، وكثير من القوانين تعاقب الساخرين، خاصة عندما ينام المجتمع على مجدٍ من الجدية والصرامة وعدم الضحك، وكثير من الأشخاص على اختلاف مواقعهم لا تجد الابتسامة طريقها إلى وجوههم.

في الأدب كما في الفن كما في السياسة والرسم.. وغيرها من حقول الإنتاج المعرفي، تلعب السخرية دوراً في معرفة الأخطاء وتداركها وإعادة إنتاجها بشكل أفضل، لأن السخرية تسهم في تعزيز فكرة الحرية وبناء الشخصية الاجتماعية بعيداً عن الجدية المفرطة، فالحياة تصبح أكثر قسوة دون مسرح ساخر أو كاريكاتير مضحك أو مقال لماح.

غير أن الكثير لا يجيدون التفريق بين فن السخرية وبين التهكم والتجريح، وعليه تصبح القيمة سلبية والأحكام مجحفة في حق من ينتج هذا النوع من المعرفة، لذلك تتراجع طاقة السخرية في المجتمع وتصبح الحياة جافة وكأنها جذع شجرة يابسة.

انظروا للعلاقات الاجتماعية في المجتمعات المنتجة للسخرية: المصريون، البلجيكيون، الصعايدة، الحماصنة. وغيرهم ممن يصنفون أصدقاء للسخرية.

هؤلاء لديهم قدرة على التقبل والتعايش بطريقة إيجابية ويتعلمون من أخطائهم، ويصححون زمنهم ليصادقوا الحياة.