تمر اليوم، الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر محمد الماغوط (3 أبريل 2006)، أي بعد 27 يوماً من تسلمه جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية (8 مارس 2006).

كان في أواخر أيامه، نال منه المرض وأقعده مدة طويلة على كرسي متحرك. لازمته لفافة التبغ في كل مكان فلم يقرأ يوماً يافطة تمنع التدخين، فقد أرعبه المنع وأخافه الرقيب حتى لم يعد يعرف من شرقه البائس غير "غرف مسدلة الستائر"، كما وصفته ذات يوم زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح.

تسع سنوات مرت على رحيل الساخر المتبرم الذي بنى قصراً من الكلمات الحارة حين وصف الفقر والعذاب والخوف والجوع، وكل ما يمكن أن يشكل مشهداً لفيلم تراجيدي في الحياة كان يختصره بكلمات قليلة، شديدة التأثير بليغة المعنى (هذا القلم سيقودني إلى حتفي / لم يترك سجناً إلا وقادني إليه / ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه)، وبعبارات مماثلة عن وحدته ويأسه، كان يغزو ضمائر الأجيال العربية، جيلاً تلو الآخر.

أعطى محمد الماغوط المولود عام 1934 تلك الأجيال، حياة مشابهة من الكلمات تتوافق مع عيشهم القلق، عيش مليء بالأسئلة، أسئلة تفضي إلى حقائق بنتائج سلبية، وكأنه يقرأ حال وطنه، مدركاً أن كل الخراب جاء من مكان واحد، أو كأنه رأى مبكراً مأساة بلده (قلت لها: عطشان يا دمشق / قالت: اشرب دموعك / قلت لها: جوعان يا دمشق / قالت: كل حذاءك).

الفارق الذي أحدثه محمد الماغوط في الكتابة العربية كان سهلاً وبسيطاً، فقد منح الأمل للموهوبين أن يصنعوا لغتهم التي تشبههم وألا يستعيروا لغة غيرهم، تماماً كما فعل نزار قباني مشجعاً العشاق على مغامرة الحب ليخلقوا أسطورتهم العاطفية .. وهل من قيمة أكبر من فتح باب الأمل لفاقدي البوصلة، أو لمن تاهوا على الطريق؟

الشاعر يقود القلوب المفطورة نحو ضالتها والكلمات البريئة إلى شفاه ظمأى.

محمد الماغوط فعل ذلك، يستحق أن نتذكره اليوم.