بدأنا نلحظ تدريجياً غياب المثقف السوري عن الأنشطة الثقافية والمهرجانات العربية، وبدأ نجمه يخفت سنة بعد أخرى، ومن حوله تمر عشرات الفعاليات والمهرجانات الثقافية دون أي مساهمة منه أو أي حضور يلفت النظر، تلك المهرجانات التي كان السوريون إحدى دعائمها وأسباب استمرارها.
لا يعزى ذلك الغياب إلى قلة إنتاج الثقافة السورية أو تراجع مستواها، بل إلى الحالة السياسية التي تمر بها المنطقة برمتها، فقد أصبح المثقف السوري والذي يحمل جواز سفر سورياً شخصاً ليس مرحباً به في أروقة المهرجانات العربية، نظراً لتعقيدات إدارية لم تكن موجودة قبل 15 مارس 2011، أي قبل انطلاق الثورة السورية أو ما تبقى منها.
تلك التعقيدات اليوم تخضع لجوانب سياسية وأمنية ولشروط تعجيزية، ناهيك عن قوانين تسن في كل بقعة عربية تفرض سمة دخول لكل من يحمل جواز سفر سورياً «المثقف ليس بمنأى عنها»، وعليه بدأت معظم إدارات المهرجانات الثقافية العربية في تجنب دعوة أي مثقف سوري إلى أنشطتها رغم ما يشكله ذلك من أسئلة لا سبيل للإجابة عنها.
لقد فرضت حالة الأحداث في سوريا برنامجها السلبي على الثقافة العربية، فهل يعقل أن يمر مهرجان مسرحي أو سينمائي أو درامي دون الحضور السوري المؤثر والفاعل، وهل على المثقف السوري أن يدفع ثمن الأخطاء السياسية، حتى لو لم يكن متمذهباً في حزب أو منتمياً إلى تيار إيديولوجي، وما هو المطلوب منه حتى ينال رضى أجهزة الأمن والرقابة وغيرها من مانحي صكوك البراءة.
ذلك المثقف لم يكن موضع شك قبل أيام، ولم يكن يحتاج إلى رضى أحد لحضور مهرجان ثقافي، كانت الثقافة تحميه وتمنحه الأمان، مثلما كانت المؤسسات الثقافية العربية تعطيه صدر مجالسها، لماذا أصبح منبوذاً، ولماذا عليه أن يتحمل وزر السياسيين، ويدفع ثمن أخطائهم؟!