جاء سعيد عقل إلى أبوظبي مطلع تسعينيات القرن الماضي لإحياء أمسية في المجمع الثقافي، يومها رحب به الصديق حمد علي بطريقة تليق بشاعر كبير، وبكلمات جزلة رد سعيد عقل قائلاً لمقدمه «كلماتك يا سيدي بعثت بالدموع إلى عيني»، ثم قال كلاماً تمهيدياً فيه الكثير من الإعجاب بدولة الإمارات وكال المديح لأبوظبي، ووسط حضور كبير فيه نخبة مثقفة بدأ سعيد عقل ببدلته البيضاء الناصعة وربطة عنقه الحمراء الصاخبة، حديثه عن 11 عظيماً بنوا لبنان، ناهلاً من تاريخ الفينيقيين ما يوافق فكرة (لبنان العظيم)، ولم يقرأ يومها شعراً وخيّب أملنا.
هي المرة الوحيدة التي التقيت فيها سعيد عقل، كان المكان لا يتسع لروحه المحلقة فوق الأزمنة والأمكنة. وفي ذاكرتنا أجمل الشعر الذي كتبه لدمشق وحملته معها فيروز كل عام إلى معرض دمشق الدولي، لتغنيه فتلهب وجدان (الشوام) ومن خلفهم كل العرب.
سعيد عقل الذي طاف المائة بعامين، لم يكن شاعراً إشكالياً كما هو الحال بالنسبة لشعراء بدلوا مدارسهم الفنية، لكنه كان شاعراً إشكالياً بموقفه المتغير من جغرافية المكان (الفلسطينيون في لبنان) هذا الموقف الذي أعلنه سعيد عقل وهو في السبعينيات من عمره لا يتوافق مع شعره الوطني عن دمشق ومكة والقدس ولبنان، وكأن قطيعة ضربت بين وطنية الشاعر قبل السبعين وبعد السبعين من عمره.
هذا يؤكد أن الشعراء لا يصلحون للسياسة، رغم ان سعيد عقل كان شاهدًا على التاريخ اللبناني المعاصر، ابتداء من سقوط الدولة العثمانية وخضوع لبنان للانتداب الفرنسي واستقلاله، ثم عاصر الحرب الأهلية وتقلبات فرقائها، كان عليه أن يظل شاعراً، لأن الناس تتذكر الشعر وتتناقله، ولن تتذكر (الترهات) وإن تناقلتها الآن، الشاعر يكفيه أن يكون وجدان عصره، لا أن يكون بوقاً صغيراً في زحمة الأبواق .. لن يسمعه أو يميزه أحد.