لا يجيد كل مهاجر ترك بلده الكتابة لسرد قصته المريرة وهو يعبر الحدود حاملاً خوفه ويأسه من الغد، لكنه يتطلع إلى الأمل من نافذة البحر الذي ربما حمل له شعاعاً أفضل، لديه حكاية، لكنها تعذبه، من سيسمعها ومن سيكتبها، لأن كل محيطه يمتلك حكاية تشابه حكايته أو تتفوق عليها في الحزن والأسى.
لن يعرف ذلك البائس أي جزيرة سيتركونه عليها قراصنة البحر ليواجه مصيراً غامضاً وحوله أطفال يبكون أو نساء ضعيفات أو عجائز لا يقدرون على السير، وحوله أيضاً عشرات القصص عن أهوال الحروب وظلم الطغاة، قصص تتشابه وإن اختلفت جغرافيتها، لأن طعم الظلم لا يتغير مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة.
آلاف القصص التي لا يجيد أبطالها الكتابة، لكنهم يجيدون سردها ببساطة وعفوية وصدق، بعضها يجد إلى المواقع الاجتماعية سبيلاً فيقرأها الناس، ويشعرون بالتعاطف مع شخوصها، غير أن معظمها يبقى حبيس الأهل والدوائر الضيقة، لأن فيها من الخجل والخوف ما لا طاقة لبشر على تحمله.
لا ننتظر كماً من كتب الفواجع لنعرف الحقائق، لأن زمن الصورة وثّق ما يعجز القلم عن وصفه، وهذا هو الفرق بين فواجع الحروب الكونية التي كُتب عنها آلاف القصص وبين حروب اليوم التي تسارع الكاميرا إلى توثيقها، لكن ماذا عن فواجع وأهوال المهاجرين حيث لا قصص ولا كاميرات، سوى أحزان محبوسة في الصدور تسيل عذاباً مع كل دمعة تذرفها أم على أولادها، أو زفرة ألم يطلقها أب على فلذات كبده.
تلك هي المأساة الكبرى في تراجيديا مراكب اللجوء التي تتوالى فصولها منذ سنوات وسنوات، لكن فصلها الأخير كان الأسوأ بين جميع أهوال الحروب وفجائعها.