منذ اندلاع تظاهرات الربيع العربي، اندلعت معها انقسامات في المواقف السياسية؛ بين مؤيد ومعارض، ورمادي يميل ما مالت الريح، غير أن لمواقف الشخصيات العامة أثرها الكبير لدى الناس، وخاصة الشخصيات الفنية، التي ضاعت مواقفها بين الثورة العامة.

 

والإصلاح الحكومي، والفوضى، وعلى إثر ذلك، تم تصنيف أهل الفن في خانتين: «وطنيون» أو «خونة»، مع مراعاة تعريف مفهوم «الوطنية» أو «الخيانة» لدى كل فئة.

 

أقل اتهام يوجه لكل فريق لا يتفق مع الفريق الآخر هو الخيانة، وكأن هذه الكلمة جاءت من القاموس العربي وحده، حيث للخيانة طعمها المسموم، الذي يغيب في الأحشاء فيفتك بها. وفي المقابل تبدو الوطنية معادلاً للشرف، تمنحه الجهة ذاتها لمن يرى الأمور بعين مباركة، فكل فعل تأتيه هو خطوة واثقة، وكل حركة تقوم بها هي خير عام، وكل عين راضية عن العيب كليلة.

 

لماذا نظن أن أهل الفن ينتمون لفئة نحبها ونساندها، وهل وجودهم في الخندق ذاته يعطيهم قيمة أعلى؟، وماذا لو كانوا على الضفة الأخرى من النهر، هل تسقط عنهم صفة الإبداع؟،

 

وهل يمحو ذلك كل تاريخهم الفني، ذلك التاريخ الذي كبرت وتربت عليه أجيال، هل يعقل أن يُمحى بجرة قلم؟ والسؤال الأخطر: هل الذين وقفوا مع قضايا الناس وهمومهم ذات جوع وفقر وظلم، هم ذاتهم الذين يغنون للطغاة والقتلة؟

 

بيننا اليوم وطنيون وخونة، لا نحاكمهم من خلال فوضى الأحداث التي تدور، لكننا نطالبهم بالصمت قليلاً، قبل فرز أنفسهم على ضفتي نهر الدم، نطالبهم بالتريث قبل الوقوف مع القاتل أو القتلة، وقفة صغيرة في حياة فاصلة، وليقل التاريخ كلمته في حقهم، علّ ذلك أنفع لهم ولإبداعهم.