(العنعنة) ثقافة سماعية، لا تاريخ لها سوى قِدم البشرية، يسمع الناس الأخبار والقصص ويتناقلونها فيما بينهم، ويتشافهون جيلاً بعد جيل، وتلك كانت وسيلتهم للتعلم والتعليم والحفظ والنقل، وكان لسانهم معبراً عن وجودهم مثلما كانت رسومات الكهوف رسائلهم وديوان حياتهم.

 

تلك الثقافة التي تقوم على السماع وليس الاطلاع، قائمة حتى يومنا الحاضر، حيث نجد السواد الأعظم من الناس ينقلون أخباراً عن بعضهم أو يسمعون مقاطع من حكاية أو قصة، لكنهم يحولونها إلى رواية عندما يسردونها، كلماتها كثيرة ومغزاها قليل وفائدتها معدومة، ومن ثم (يعنعنونها) من شخص لآخر فيسقط بريقها ويذهب لمعانها.

 

في الجوار مئات الكتاب الذين يكتبون ما (يسمونه) رواية وهم لم يقرؤوا «البؤساء» لفيكتور هيغو أو «الحرب السلام» لتولستوي، وآلاف يكتبون الشعر ويطبعون الدواوين وهم يرون في أبيات أمرئ القيس نافذة للتندر، ولسان حالهم، هل من أحد يكتب (مكر مفر مقبل مدبر معاً). معهم حق، الشعرلم يكن سهلاً لأن الحياة كانت قاسية خاصة من دون فيسبوك!

 

الحال ذاتها ينطبق على المعرفة بعمومها، هؤلاء الذين لا يعرفون عن الحروب الكونية سوى الزعيم النازي أدولف هتلر، ولا يعرفون عن الرأسمالية سوى اسم كارل ماركس، لكنهم يناقشون شؤون السياسة على الفضائيات ويطلقون نظريات الحلول الاقتصادية في المنتديات، ويفتون في مآلات الربيع العربي.

 

من تلك الأجواء جاءت (العنعنة) من الاستسهال والسرعة واللهاث والجري وكل ما يمكن أن يكون مصدراً ضعيفاً لأي معلومة، لأن الحياة ذهبت في مجرى متسارع تنافسي استعراضي وليس نحو العمق والتأصيل، فكانت هذه القشرة الباهتة للثقافة السماعية وكانت هذه التراجعات التي نشهدها في علم الثقافة والمعرفة .