"كم هي الحياة موحشة دون شعر". عبارة سمعتها من الصديق المترجم صالح علماني، حين دار حديث عن كثرة الشعراء وقلة الشعر، كانت عبارته حاسمة عن قوة تأثير الشعر في الإنسان أبد الدهر، ودليله إلى ذلك، فقر الحياة ووحشتها دون كلام عذب يؤنسها.

نظرة الناس للشاعر فيها احترام وتقدير، وحظي الشاعر على مر التاريخ بمكانة مرموقة، سواء في البلاط أو لدى العامة، وكانت القبائل تحتفي بميلاد شاعر في مضاربها، كما كانت سوق عكاظ وثيقة الزمن مكتوبة بحبر القصائد يدونها الشعراء كل عام.

كيف مضى الشعر نحو تلك الهاوية من الاستسهال، ومن الذي أنزله من علياء مقامه إلى عاديات الحياة وجعله في مكانة تعرضه لفقر المعنى وقلة المغزى، وفي أي زمن لم يعد للشاعر قيمة أو للقصيدة تأثير!؟

قطعاً ليست وسائل الاتصال الحديثة السبب ولا الشعر المترجم والمرسل، ولا شعراء الحداثة يتحملون الذنب في ذلك، لقد تغيرت مفاهيم الزمن بين (الوحشة) وبين (الأنسنة) كان الشعر أنيساً ووليفاً وخير جليس، انظروا إلى أولادكم من هو خير جليس لديهم الآن ؟

لن أقول بفكرة موت الشعر، بل بتراجعه إلى تلك الدرجة من سهولة إصدار كتاب وإطلاق صفة الشعر عليه، وتحول صاحبه إلى شاعر، ومن ثم تصبح الحياة شديدة الوحشة لأن لا كلام عذباً يوازن الإنسان فيها. ولا كلمات عميقة المعنى تعطيها حس الامان، و الأسوأ من كل ذلك، لا ناقد ولا نقد، تلك المصيبة الكبرى أن تكون الحياة بلا نقد، فما بالنا بالشعر والشاعر ووحشته.