من مقام الأدب الشعبي وطاقته التي لا تنضب اخترتُ هذه الحكاية المليئة بالعبر النبيلة، والتي تتساقط منها المعاني الإنسانية، حكاية جميلة من الأدب التركي:
سأل أحد الحكماء يوماً بعض مريديه: ما الفرق بين من يتلفظ الحب وبين من يعيشه؟ قال الحكيم ذلك ودعاهم إلى وليمة، ثم أحضر الحساء وسكبه في أطباقهم وقدم لكل منهم ملعقة بطول متر! وطلب من الذين لم تتجاوز كلمة المحبة شفاههم ولم ينزلوها بعد إلى قلوبهم تناول الحساء بهذه الملعقة العملاقة، مشترطاً عليهم عدم سكبه على الأرض، فحاولوا جاهدين لكن لم يفلحوا فكل واحد منهم لم يقدر أن يوصل الحساء إلى فمه دون أن يسكبه على الأرض. وعندما لم تنجح محاولاتهم غادروا المائدة جائعين.
ثم دعا الحكيم الذين يحملون الحب داخل قلوبهم إلى نفس المائدة فأقبلوا والنور يتلألأ من وجوههم، وقدم لهم نفس الملاعق الطويلة! فأخذ كل واحد منهم ملعقته وملأها بالحساء ثم مدها إلى جاره الذي بجانبه، فشبعوا جميعهم.
وقف الحكيم وقال في الجمع حكمته والتي عايشوها عن قرب: من يفكر على مائدة الحياة أن يشبع نفسه فقط سيبقى جائعاً، ومن يفكر أن يشبع أخاه سيشبع الاثنان معاً.
حكاية مثل هذه لا تحتاج إلى تعليق، إنها تحتاج إلى تطبيق لو نظر الإنسان ملياً إلى طبقه المملوء، وفكر قليلاً بطبق جاره الفارغ لأدرك قيمة العيش بسعادة وسلام، وما تسعى إليه الأمم والشعوب والدساتير والقوانين والأنظمة والأحزاب لخصته حكاية بسيطة من الذاكرة الشعبية موجودة حولنا تحتاج منا إلى يد ممدودة بحب نحو الآخرين.