في الوقت الذي أعطت فيه أوروبا العالم صيغة النقد الموحد، كانت من الداخل تنظر بحذر إلى هؤلاء الذين جاءوا من الشرق الأوروبي، لأنهم عبر جينات الحرمان والنظرية الوطنية للفلاحين وخطب القائد الفذ، كانوا يسرقون الضمان الاجتماعي والصحي من حكومات عريقة باسم المؤازرة الإنسانية والانتصار للفقير الأوروبي وليس الفقير العربي، لأن الأول يشبههم في نهاية المطاف، بينما الآخر، سليل السيف الذي يحز الرقبة، لن تشفع له كل قصائد الشعراء العرب عن المؤاخاة والتآزر والضعف الإنساني التي تُنشد في قرى أوروبا وأبرشياتها.
من الوهم أن نعتقد أن الوحدة الأوروبية قد مَحتْ زمن الرأسمالية والاشتراكية من ذهن الناس، خاصة وان كل معاهدة في هذا الاتجاه تدخل حيز التنفيذ من باب عريض وتتسرب من شقوق النوافذ، فالألمان الشرقيون، على سبيل المثال، يشعرون بحاجة لتصفية الحساب مع ألمانيا الغربية، حيث تركوا بين مخالب الدب الروسي والرفيق اريش هونيكر يسلخون من جلودهم بقايا اللبن العالق من حياة السفخوزات والكلخزات، أي تعاونيات العمال والفلاحين.
والتعاونية بالتعاونية تذكر، فعندما كان الساحل السوري مصدراً لخير وفير من التفاح والحمضيات، كان أبناء الداخل (حلب على سبيل المثال)، يأكلون التفاح الذي لا يصلح علفاً للدواب وكان الحصول عليه يحتاج الوقوف على باب التعاونية الاستهلاكية في طابور من البشر يمتد إلى مربعين سكنيين، وكانت مواد أخرى، مثل الشاي والقهوة، ترفاً لا حاجة للشعب به في معركة الرجعية وأعداء التقدم.
أعداء التقدم ذاتهم ذلك اليوم تراهم الآن يملؤون شوارع وسط أوروبا، حيث يمكن الاستدلال عليهم من ثيابهم وسحناتهم قبل لغاتهم. وفي شوارع ألمانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا لهم مقاهيهم ونواديهم ومافياتهم (الألبانية أشدها خطراً)، مثلما لهم أعمالهم البعيدة عن رقابة الحكومات والمجتمع.
أوروبا النقدية تدفع الثمن الآن، ثمن وحدتها الجغرافية، وعلى الهامش يدفع الثمن من يحتاج الأمن والأمان بما تعنيه الكلمة، حيث يحتاج السوريون الهاربون من جحيم الحرب إلى ملف يفوق ملفات المخابرات العسكرية لقبولهم لاجئين إنسانيين، بينما زعماء مافيا الاشتراكية يسرحون في شوارع القارة العجوز، بوشومهم المرعبة وعلب ليلهم القذرة، وكل ذلك تحت رعاية المجتمع وحمايته فقط، لأنهم أبناء وحدتهم النقدية وليسوا أبناء جلدتهم!